وقد عرفت حال المثلين في شأن الجمع، أو تضاد كالسواد والبياض والهمس والجهارة والطيب والنتن والحلاوة والحموضة والملاسة والخشونة وكالتحرك والسكون والقيام والقعود والذهاب والمجيء والإقرار والإنكار والإيمان والكفر، وكالمتصفات بذلك من نحو الأسود والأبيض والمؤمن والكافر أو شبه تضاد كالذي بين نحو السماء والأرض والسهل والجبل والأول والثاني فإن الوهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايقين فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن ولذلك تجد الضد أقرب خطور بالبال مع الضد. والخيالي هو أن يكون بين تصورهما تقارن في الخيال سابق لأسباب مؤدية على ذلك فإن جميع ما يثبت في الخيال مما يصل إليه من الخارج يثبت فيه على نحو ما يتأدى إليه ويتكرر لديه ولذلك لما لم تكن الأسباب على وتيرة واحدة فيما بين معشر البشر اختلفت الحال في ثبوت الصور في الخيالات ترتبا ووضوحا فكم من صور تتعانق في الخيال وهي في آخر ليست تتراءى وكم صور لا تكاد تلوح في الخيال وهي في غيرة نار على علم، وإن أحببت أن تستوضح ما يلوح به إليك فحدق إليه من جايب اختبارك تلق كاتبا بتعديد قرطاس ومحبرة وقلم ونجارا بتعديد منشار وقدوم وعتلة وآخر وآخر بما يلابسون وأيا كان من أصحاب العرف ولرسم فتلقه بذكر مسجد ومحراب وقنديل أو حمام وأزرار وسطل أو غير ذلك مما يجمعه العرف والرسم فإنهم جميعا لمصادفتهم معدوداتك على وفق الثابت في خيالهم لا يستبعدون العد ولا يقفون له موقف نكير وإذا غيرته على نحو محبرة ومنشار وقلم وقدوم ونحو مسجد وسطل وقنديل وحمام جاء الاستبداع والاستنكار وهل تشبيهات أولئك الرفقاء الأربعة البدر الطالع عليهم فيما يحكي تتلو عليك سورة غير ما تلونا أو تجلو لديك صورة غير ما جلونا.يحكى أن صاحب سلاح ملك وصواغا وصاحب بقر ومعلم صبية اتفق أن انتظمهم سلك طريق، وقد كان حمل كل منهم مركب الجد فما أورثهم انتقاب المحجة بالإظلام سوى الإغراء أن يلطموا بأيدي الرواقص حدودها وما استطاع الظلام أن لا يطئوا المسافة وقد نشر جناحه وأن يلقوا عصاهم وقد مد لهم رواقه فقابلهم بعبوس افتر عن مزيد تخبطهم وخوف ضلالهم فبيناهم في وحشة الظلماء وقد بلغ السيل الزبى ومقاساة محنتي التخبط وخوف الضلال وقد جاوز الحزام الطيبين آنسهم البدر الطالع بوجهه الكريم وأضاءت لهم أنواره كل مظلم بهيم فلم يتمالكوا أن أقبل عليه كل منهم ينظم ثناءه ويمدح سناه وثناءه ويخدمه بأكرم نتائج خاطره وإذا شبهه شبهه أفضل ما في خزانة صوره فما يشبهه السلاحي إلا بالترس المذهب يرفع عند الملك ولا يشبهه الصائغ إلا بالسبيكة من الابريز تفتر عن وجهها البوتقة ولا يشبهه البقار إلا بالجبن الأبيض يخرج من قالبه طريا ولا يشبهه المعلم إلا برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة أو التفاوت في الإيراد لوصف الكلام فيما يحكيه الأصحاب عن الأذكياء من ذوي الحرف المختلفة كوصف الجوهري للكلام أحسن الكلام ما ثقبته الفكرة ونظمته الفطنة وفصل جوهر معانيه في سمط ألفاظه فحملته نحور الرواة، ووصف الصبر في خير الكلام ما نقدته يد البصيرة وجلته عين الروية ووزنته معيار الفصاحة فلا ينطق فيه بزائف ولا يسمع فيه ببهرج، ووصف الصائغ خير الكلام ما أحميته بكير الفكر وسبكته بمشاعل النظر وخلصته من خبث الإطناب فبرز بروزا الإبريز مركبا في معنى وجيز، ووصف الحداد أحسن الكلام ما نصبت عليه منفاخ الروية وأشعلت فيه نار البصيرة ثم أحرجته من فحم الأفحام ورققته بفطيس الأفهام ووصف الخمار أحسن الكلام ما طبخته مراجل العلم وضمته دنان الحكمة وصفاء راووق الفهم فتشمت في المفاصل عذوبته وفي الأفكار رقته وسرت في تجاويف العقل سورته وحدته ووصف البزاز أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه وحسن رسم معانيه فلم يستعجم عند نشر ولم يستبهم عند طي، ووصف الكحال أصح الكلام ما سحقته في منجار الذكاء ونخلته بحرير التمييز وكما أن الرمد قذى العين كذا الشبهة قذى البصائر فأكحل عين اللكة بميل البلاغة وأجل رمض الغفلة ببرود اليقظة، أو سلوك الطريق في وصف البليغ حين سلكه الجمال قائلا البليغ من أخذ بخطام كلامه وأناخه في مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا والإيجاز له مجالا فلم بند عن الأذهان ولم يشذ عن الآذان أو إخبار الوراق عن حاله على ما أخبر عيشى أضيق من محبرة وجسمي أدق من
مفتاح العلوم · الصفحة ١١٢
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
مفتاح العلومص ١١٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي