فأحيينا به بعد موتها إذ قال فتثير استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض متكونا في المرأى تارة عن قزع وكأنها قطع قطن مندوف ثم تتضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه، أو ما ترى تأبط شرا في قوله:ا به بعد موتها إذ قال فتثير استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض متكونا في المرأى تارة عن قزع وكأنها قطع قطن مندوف ثم تتضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه، أو ما ترى تأبط شرا في قوله:
بأني قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران
كيف سلك في فأضربها بلا دهش قصدا على أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بضرب الغول كأنه ببصرهم إياهم ويطلعهم على كنهها ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبا من جرأته على كل هول وثباته عند كل شدة وقوله سبحانه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " ثم قال له كن فيكون دون كن فكان من هذا القبيل واستلزم في مثل " لو أنتم تملكون " حمله على تقدير لو تملكون تملكون لفائدة التأكيد، ثم حذف الفعل الأول اختصارا لدلالة ضميره عليه المبدل بعد ذهاب الفعل منفصلا وأمثال هذه للطائف لا تتغلغل فيها إلا أذهان الراضة من علماء المعاني، ولمبني علم المعاني على التتبع لتراكيب الكلام واحدا فواحدا كما ترى وتطلب العثور على ما لكل منها من لطائف السكت مفصلة لا تتم الإحاطة به إلا لعلام الغيوب ولا يدخل كنه بلاغة القرآن إلا تحت علمه الشامل.
واعلم أن مستودعات فصول هذا الفن لا تتضح إلا باستبراء زناد خاطر وقاد ولا تنكشف أسرار جواهرها إلا لبصيرة ذي طبع نقاد ولا تضع أزمتها إلا في يدراكض في حلبتها على أنأى مدى باستفراغ طوق متفوق أفاويق استئباتها بقوة فهم ومعونة ذوق مولع من لطائف البلاغة بما يؤثرها القلوب بصفايا حباتها وتبثر عليها أفئدة مصاقع الخطباء خبايا مخبآتها متوسل بذلك أن يتأنق في وجه الإعجاز في التنزيل متنقلا ماجمله عجز المتحدين به عندك على التفصيل طامع من رب العزة والكبرياء في المثوبة الحسنى والفوز عنده يوم النشور بالذخر الأسنى.
الفن الرابع