تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك كان القتال في الإسلام حالة مرتبطة بأوضاع وظروف ليست هى أصل الحياة.

ويمكن إيضاح ذلك في الآتي:

أولاً: أن رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - جعل ساحة القتال مجالاً للتحضر الإنسانى فلم يجعل التحريض على القتال لمجرد القتال دون أن يكون هناك مسوغاً شرعياً واجتماعياَ وإنسانياً لهذه الدعوة. ولم يكن القتال أيضاً لشهوة نفس أو لسلطان في الأرض ولا عقاباً لكفر كافر أو لشرك مشرك. بل يمكن القول أن القتال في الإسلام ليس من معدن البغي والعدوان وجر الغنائم؛ بل شرع لتمكين الحريات في التفكير والعقائد والعبادات - حتى ولو كانت لغير الله - وعدم تقييدها وسلبها، ودفع الظلم عن المظلومين والمستضعفين في الأرض ومنع فتنتهم في دينهم حتى تنكسر النزعات الإنسانية الذميمة والرغبات الدنيئة من حب استعباد الناس وقهرهم بقوة السلطان.

ولقد جاء محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليجعل أهداف الجهاد - القتال - مجملة في أصل واحد وهو} وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ {[البقرة: 193].

فالقتال إنما مقصوده الأعلى أن يكون في سبيل الله، ولتكون كلمة الله هى العليا وليس بطراً ورئاء الناس، حتى تكون بواعثه شريفة وغاياته الإنسانية عالية حتى لقد قال كتاب أوروبا: " إن العالم لم يعلم فاتحاً أرحم من العرب " (1).

إن المتأمل للتاريخ يدرك أن المسلمين ما انتصروا من كثرة عدد ولا عدة، ولم يقاتلوا في معركة وهو أكثر عدداً وعدة من الذين يقاتلونهم - اللهم إلا يوم حنين، حينما غر المسلمين كثرة عددهم وقالوا لن نهزم اليوم من قلة فكانت الدائر عليهم قبل أن ينتصروا -

(1) الفيلسوف الفرنسى جوستاف لوبن.

الرحمة المهداة، محمد صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الرحمة المهداة، محمد صلى الله عليه وسلمص ١١٧