ولكن يا أحمد إن فى ذلك حكمة، وإن لى عشاقا مساكين يعفرون وجوههم على الحجر الذى يحمل أثر قدمى، فينالون مرادهم، ولقد نلت أنت الثواب لأن الدال على الخير كفاعله، فبادر بإرسال أثر قدمى الذى اشتراه قايتباى بمال الغزو إلى ضريحه فى مصر، وإلا فأنت وما تشاء.
وانفض المجلس، فهب السلطان أحمد من نومه، فدعى إلى مجلسه شيخ الإسلام زكريا أفندى ونقيب الأشراف قدسى أفندى وقره سنبل أفندى وأستاذنا أوليا أفندى وأسكودارى محمد أفندى ووالدى الدرويش محمد ظللى، والدرويش عمر الكلشنى وقص عليهم جميعا رؤياه. فقالوا له: أرسل وقف الله إلى موضعه. وعندئذ أخرج السلطان قنطارا من الفضة الخالصة، وكان والدى فى ذلك الوقت رئيس صاغة الباب العالى، فقام بصنع صندوق هو تحفة فنية ووشاه بالمينا والذهب والفضة ليوضع فيه الأثر، وكتب عليه بخط ذهبى أبياتا من الشعر، وبعد أن فرغ من ذلك سلمه ثانية إلى (مراد الرئيس)، وكان ذلك فى وقت مناسب، إن أثر قدم النبى الذى لم يصل اسطنبول إلا بعد سبعة أشهر بعد مكابدة ألوان المشقة والعناء بلغ الإسكندرية فى سبعة أيام، وأحضر إلى القاهرة فى يوم واحد، وعندئذ حمله أعيان القاهرة فى موكب عظيم إلى ضريح قايتباى، ولله الحمد فقد مسحت أنا الضعيف وجهى بأثر قدم النبى صلى الله عليه وسلم، ورأيت التحفة التى صنعها والدى وعلى هذا الصندوق خط أبى وهو تاريخ مسطور بالذهب والفضة وهو: وهذه الأبيات كتبها أبى بالفضة الخالصة.
بشوق حضرة سلطان أحمد ... زيارة موطئ القدم المكرم ...
فحركه بجاذبة اشتياق ... على أقدام أقدام فقدم ...
وسيره إلى قسطنطينية ... فقال له تقدم خير مقدم ...
وادخل داره باليمن حبا ... وتعظيما لصاحبه المعظم ...
حبيب الله سيدنا محمد ... عليه ربنا صلى وسلم ...
وراجعه بإعزاز عظيم ... إلى تلقاء موضعه المقدم ...
إلهى عمر سلطان أحمد ... وقدمه على من تقدم ...
بحرمة صاحب القدم المعلا ... له الدرجات العلا فى الأفلاك سلم