انظروا "أخبار الحلاج" صفحة (54)، يقول عبد الله بن طاهر الأزدي: كنتُ أخاصم يهوديّاً في سوق بغداد، وجرى على لفظي أن قلتُ له: "يا كلب"، فمر بي الحسين بن منصور الحلاج، ونظر إليَّ شزراً، وقال: لا تُنبِح كلبك، وذهب سريعاً، فلما فرغتُ مِن المخاصمة قصدته، فدخلتُ عليه فأعرض عني بوجهه، فاعتذرتُ إليه، فرضي، ثم قال لي: يا بني، الأديان كلها لله عز وجل!! شَغَل الله بكل دينٍ طائفة لا اختياراً فيهم، بل اختياراً عليهم، فمن لام أحداً ببطلان ما هو عليه: فقد حَكَم أنَّه اختار ذلك لنفسه، وهذا مذهب القدرية، و"القدرية مجوس هذه الأمة"، وأعلم أن اليهودية، والنصرانية، والإسلام، وغير ذلك مِن الأديان: هي ألقاب مختلفة، وأسامٍ متغايرة، والمقصود منها لا يتغير، ولا يختلف، ثم قال: وأنشد الحلاج شعراً بعد ذلك يقول:
تفكرت في الأديان جداً محققاً فألفيته أصلاً لها شُعُبٌ جمّاً
فلا تطلبن للمرء دنيا فإنه يصد عن الأصل الوثيق وإنما
يطالبه أصل يعبر عنده جميع المعالي والمعاني فيفهما
قال سفر: الأديان كلها واحدة! ولا تقل لأحدٍ إنَّك يهودي، ولا نصراني،كله حق، وكلها طرق إلى الله! هكذا يقول، وهنا تلتقي الماسونية الحديثة بهذه الأفكار القديمة، ومثل هذا قول ابن عربي:
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه فالحبُّ ديني وإيماني