فقد عمل الإسلام على تأمين الناس في حريتهم الفكرية والاعتقادية، كما ضمن تأمين الناس في أنفسهم ممتناً عليهم بنعمه ليعبدوه : ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ (قريش :3-4) ..والأصل في دعوة الإسلام، أنها دعوة طوع واختيار، وسماحة ويسر : ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (الكهف :29)، ولم تقم مشروعية الجهاد إلا حين بادر الخصوم بالمحاربة : ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾ ( الحج : 39، 40).
وكانت مشروعية الجهاد أيضاً لتأمين العبادة ودورها ، وحماية غير المسلمين إلى جانب المسلمين، كما تحدثت آيات مشروعية الجهاد : ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً ﴾ (الحج : 40).
واستمرارية الدعوة والمجاهدة بالقرآن ، ومضيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، خير دليل على هيمنة الكتاب الذي أمر به ، قال - صلى الله عليه وسلم - " لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " (1) .
ولعل في بقاء هذه الطائفة المنصورة القائمة على الحق ، مصدر استمرارية التطبيق للقرآن ، ذلك أن وجود النماذج القرآنية التطبيقية الدالة على الديمومة ، والقدرة على إنتاج هذه النماذج في كل زمان ومكان ، يعد حفظاً موثوقياً كلياً وعلمياً ، بعدما حفظ حفظاً توثيقياً كتابياً ولفظياً صوتياً.
ز – هيمنته على مصادر التشريع :
(1) 18 أخرجه البخاري ، المناقب ، باب : سؤال المشتركين ، 6/632 (3641).