وهذا من أعظم معاني الهيمنة التي يسعى المصلحون المجتهدون لتحقيقها في حياتنا المعاصرة، وسيظل القرآن بذلك كتاب الحاضر والمستقبل لا يأتيه الباطل من بين يديه مما سبقه من الكتب والفلسفات – ولا من خلفه مما يمكن أن يكون من المعارف والعلوم والفلسفات ومثلما كان منذ نزوله مصدقاً لما بين يديه يهدى إلى الحق والى الصراط المستقيم فسيبقى بإطلاقيته هادياً يهدى الناس كلهم لأن الله تعالى أنزله هكذا ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ (لبقرة: 185)، ﴿ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ (إبراهيم:1) ويمحو عن الناس آثار الضلال بهدايته وأنماط السلوك المادي المنحرف فمهما استفدنا من حكمة الغير واهتدينا بالشواهد فالقرآن يعود ويبقى حكماً ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾ (الأنعام: 115)، صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، فهذا القرآن يهدى للتي هي أقوم في العقائد والشرائع والشعائر ويوجه الحياة الإنسانية عموماً ﴿ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ (الإسراء:9) . فنظرته هي الأقوم وهدايته هي الأكمل والأحسن في كل شيء، وهو بهذه القوامة مهيمن عليها جميعاً.
وهيمنته هيمنة معنوية في المقام الأول ومن شواهدها صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين في المسجد الأقصى كما ورد في قصة الإسراء والمعراج حيث جمع الله له المرسلين في بيت المقدس وأمره ربه أن يسألهم فلم يشك ولم يسأل كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا ﴾ (الزخرف:45) (1) ودلالة ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم الأنبياء والمرسلين جاء بكلمة الله الأخيرة.
(1) 16 / انظر الطبرى، 25/78 والقرطبى، 16/94 – 95.