نخلص إلى القول إن الطهطاوي الذي حاول نقل أفكار حقوق المواطن والإنسان في أوربا, لاسيما فرنسا سكت على شرط تحققها وانبثاقها محليا - أي فرنسيا وأوربيا - أي عبر ارتباطها بعمل سياسي شعبي وانتفاضات وإقامة دساتير وبرلمانات. صحيح أنه شاهد بأم العين انتفاضة 1830 في باريس, إلا أنه كان يجتهد في اكتشاف ما يقابلها (الأفكار) في علم الكلام, وعلم أصول الفقه. قد يكون هذا التفكير نوعا من الحوار المفيد بين الثقافات أو الدراسات المقارنة, لكنّه يعبّر في التحليل عن نمط من التوجه أو الخطاب الضمني أو التمويهي أو المحيّد. فما يعجب ضمنا في التجربة الدستورية الفرنسية (الحقوق) يماثله في ذهنه مبادئ في علم الأصول من التراث الإسلامي (التحسين والتقبيح). وما يحرج كحرية المواطن الفرد, يحيّد على مستوى العرض, أو يطوّق باستدراكات وضرورات: كضرورة ضبط المعتقد بالأشعرية (الإيمان الصحيح), أو بحصر الرأي والقرار السياسي ضمنا, برأي الحاكم (العادل) وحكمته.
وأمّا ما يخالف صراحة أو ضمنا مقتضى حال الحكم القائم (حكم محمد علي باشا الذي تنطبق على شرعته صيغة (إمارة الاستيلاء) وصيغة (التولي: حقوق الولاية والطاعة), كأفكار العقد الاجتماعي, فإما أن تبعد هذ الأخيرة من مشروع الترجمة, أو أن تترجم ويحتفظ بها للنفس, وكما حصل مع ترجمة الطهطاوي لـ(روح الشرائع) و(الحقوق الطبيعية). الأمر الذي جعل من مشروع ترجماته, جزءًا من مشروع محمد علي باشا, أي جزءا من (التنظيمات) تنظيمات الدولة من لدن الحاكم الإصلاحي نفسه. وهذه التنظيمات لا تخرج من ناحية سياقها وفلسفتها ووظيفتها, بل ومضمونها أيضا عن جوهر التنظيمات العثمانية, ولاسيما عن الخطوط المعروفة بخط كالخانة 1839, والخط الهمايوني 1856, والتنظيمات الأخرى التي انطلقت مع قانون الولايات 1864.