يبدو أن المنصب الذي يحتله أبو القاسم في الإدارة الصقلية له رونقه الخاص, فهو يخيل إلينا أنه كان صاحب ديوان الإنشاء, ولعل الأصح أنه كان رئيسًا على كل الدوائر الإسلامية من ديوان إنشاء وطراز وسلطة إدارية وغيرها(33).
أما مسألة تهمة مخاطبة الموحدين, ففيها دراية ونظر, لأن الهروي يقول إنه اجتمع به في صقلية فأعطاه أبو القاسم كتابًا إلى السلطان الموحدي يحث فيه على أخذ الجزيرة (34). ولعل هذا التدبير قد استغله أعداؤه فوشوا به إلى الملك فشقى بالمصادرة حتى بقى دون مال. على حد قول ابن جبير.
ولم يقتصر الأمر على التصدي لفقيه أو زعيم كما رأينا, بل تعداه إلى حد تعرض الأسر المسلمة المحافظة للتفسّخ والانحلال من جراء المغريات نحو التنصّر, فضلاً عن الضغوط التي كان يتعرض لها المسلمون لهذا الغرض. من ذلك ما أورده ابن جبير بقوله: (ومن أعظم ما مني به أهل الجزيرة أن الرجل ربما غضب على ابنه أو على زوجه....فتلحق المغضوب عليه آنفة تؤدية إلى التطارح في الكنيسة فيتنصّر ويتعمّد... فهم الدهر في مداراة الأهل والولد خوف هذه الحال)(35).
كل ذلك جعل أهل النظر من المسلمين يخشون أن يحل بهم ما حل بمسلمي جزيرة أقريطش (كريت) بعد استيلاء الروم عليها من أيدي المسلمين سنة 961م(36).
ويذكر ابن جبير أن ملكة أقريطش (كريت) النصرانية لم تزل تستدرج المسلمين شيئا بعد شيء حتى اضطروا إلى التنصّر عن آخرهم, وفرّ منهم من قضى الله بنجاته على حد قوله(37).
ولا ننسى أن فئة من أعيان المسلمين في صقلية ترى أن الحل الوحيد لمشاكلها هو الهجرة إلى بلاد المسلمين, وكان يُرى أن من الأجدر تزويج الفتيات من زائرين ومسافرين من بلدان إسلامية أخرى, وذلك بغية في أن يجنبهن ما قد يحصل من الفتن, ورغبة في التخلص إلى بلاد المسلمين بأنفسهم إذا زالت الغمة عنهم(38).