الأول : فقرٌ اضطراري ، وهو فقرٌ عام لا خروج لبرٍ ولا فاجرٍ عنه ، وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا ، ولا ثوابًا ولا عقابًا ، بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ، ومصنوعًا .
الفقر الثاني : فقر اختياري ، وهو فقر الخشية والطاعة وذلة العبودية . وهو نتيجة علمين شريفين ؛ أحدهما : معرفة العبد لربه ، والثاني : معرفته بنفسه ، فمتى حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا فقرًا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته ، وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين ، فمن عرف ربه بالغنى المطلق ، عرف نفسه بالفقر المطلق ، ومن عرف ربه بالقدرة التامة ، عرف نفسه بالعجز التام ، ومن عرف ربه بالعِزِّ التام ، عرف نفسه بالمسكنة التامة ، ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة التامة ، عرف نفسه بالجهل .
فإن اللَّه تعالى قد أخرج العبد من بطن أمه ضعيفًا مسكينًا ، جاهلاً ، كما قال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ . وسخر اللَّه له ما في البر والبحر مما يصلحه ويعينه على أمر دينه ودنياه ، فلما شعر بأن له قدرة على السعي ، واستطاعة على التدبير ظن المسكين أن له نصيبًا من الملك، وادَّعى لنفسه مُلكًا مع الله سبحانه ، ورأى نفسه بغير هذا الضعف الأول الذي كان عليه ، ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة ؛ حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج ، بل كأن ذلك شخصًا غيره .
كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق يومًا في كفه ، فوضع عليها إصبعه ، ثم قال : (( قال اللَّه : ابن آدمَ ، أنَّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سَوَّيْتُك وعدَلْتُك مشيْتَ بين بردين وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قُلت : أتصدَّق ، وأنى أوان التصدق ))(1) .
(1) أخرجه أحمد 4/210، والحاكم 2/502) ، وصححه الحاكم .