عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قَرَصَتْ نملةُ نبيًا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأُحْرقت ، فأوحى اللَّه إليه : (( أنْ قَرَصَتْك نملة أحرقت أمةً من الأمم تُسبح اللَّه ))(1) . وفي رواية : (( فأوحى اللَّه إليه : فهلا نملةً واحدةً ))(2) .
فسبحان من لم تمنعه عظمته وكبريائه من رحمة الضعيف الصغير من خلقه حتى يعاتب نبيًا له من أجل نملٍ ، لا حول له ولا قوة إلا بربه .
ثالثًا : ليس كمثله شيء في رحمته :
وذلك من عدة أوجه :
أولاً : رحمة الخلق مخلوقة فتوجد بوجودهم وتفنى بفنائهم ، أما رحمة اللَّه عز وجل فإنها صفة ذاتية له لا تفنى ولا تبيد ، قال تعالى : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ ﴾ [ الرحمن : 26، 27 ] .
ثانيًا : رحمة الخلق قليلة محدودة ، أما رحمة اللَّه فقد وسعت كل شيء ، فكلٌ يرحم بقدر قدرته ، فالناس يرحمون في حالٍ دون آخر ، فيرحمون القريب دون الغريب ، ويرحمون الحبيب دون العدو ، أما رحمة اللَّه عز وجل فقد عمَّت الخلق جميعًا ، قال تعالى : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف : 156 ].
ثالثًا : رحمة الناس تختلط باللهفة والضعف لمن يرحم ، فالأم إذا مرض ولدُها تحزن ، وإذا غاب عنها تقلق وإذا مات هلعت ، وذلك من حبها له ورحمتها عليه ، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم ، وحزن عليه ، وذلك من رحمته به صلى الله عليه وسلم .
(1) رواه البخاري (6/154) ( رقم الحديث 3019) ، ومسلم ( ج 4 - السلام - 148) ، وغيرهما .
(2) صحيح . أخرجه البخاري ( ج 6/3319) ، ومسلم ( ج 4 - السلام - 150) .