وقد ردَّ هذا القول الحافظ ابن حجر ، فقال : وفيه نظر ؛ لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ : (( حفظها )) تعيين السرد عن ظهر قلب ، بل يحتمل الحفظ المعنوي(1) . يقصد - واللَّه أعلم - أن يحترم أسماء اللَّه ويوقرها ويحافظ على ما تقتضيه من معاني الإيمان ويعمل به .
وقال الأصيلي : ليس المراد بالإحصاء عدَّها فقط ؛ لأنه قد يعدها الفاجر ، وإنما المراد العلم بها .
الثاني : أن يكون المراد بالإحصاء (( الإطاقة )) ؛ كقوله تعالى : ﴿ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ ﴾ [ المزمل : 20 ] .
وكقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( استقيموا ولن تحصوا ))(2) . أي : لن تبلغوا كل الاستقامة . وقال أهل اللغة : (( لن تحصوا )) أي: لا تحصوا ثوابه(3) .
فيكون المعنى : أن يطيق الأسماء الحسنى ويُحسِن المراعاة لها وأن يعمل بمقتضاها ، وأن يعتبرها فيُلزم نفسَه بواجبها . فإذا قال : يا رحمن يا رحيم ، تذكر صفة الرحمة ، واعتقد أنها من صفات اللَّه سبحانه ، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته ، وإذا قال : (( السميع البصير )) علمَ أنه يراه ويسمعه وأنه لا تخفى عليه خافية وأنه يعلم السر كما يعلم العلن ، ويعلم الباطن كما يعلم الظاهر ، فيحافظ على قدسيتها ويرعي حرمتها ، فيخافه في سره وعلنه ويراقبه في كافة أحواله ، فإذا حدثته نفسه بمعصيةٍ ذكَّرها بقدرة الله وعظمته وأسمائه وصفاته لعلها تنزجر كما قيل :
إذا ما دعتك النفس إلى ريبة ... والنفس داعية إلى العصيان
فاستحي من نظر الإله وقل ... لها إن الذي خلق الظلام يراني
الثالث : أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة :
(1) الفتح (11/226) .
(2) أخرجه الطيالسي (1089) ، وأحمد 5/276، 277، وابن ماجه (277) من حديث ثوبان ، رضي الله عنه ، وانظر صحيح سنن ابن ماجه (224) .
(3) معاني المفردات للأصفاني .