وكل الناس واهبين على المجاز أي لا يملكون العطاء إلا لمن أراد اللَّه ، فالوهَّاب في حقيقة الأمر وأصله هو اللَّه ، ولكن يجعل لذلك أسبابًا ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّه لك ))(1) .
وحين جاء جبريل عليه السلام إلى مريم عليه السلام قال لها: ﴿ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا ﴾ ، وفي قراءة أُخرى : ( ليَهب لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا ) أي : أن الوهاب على الحقيقة هو اللَّه ، ولكن جبريل هو الذي تجري الهبة على يديه فيكون واهبًا على المجاز .
خامسًا : عموم هباته وشمولها للخلق جميعًا :
فإن العبد إن وهب غيره فإن هباته تكون خاصة بشخص دون آخر أو بجماعة دون غيرهم ، ولكن اللَّه عز وجل وهب خلقه جميعًا البر منهم والفاجر، المؤمن والكافر ، فما من أحد إلا وهو يتقلب في نعمه وينعم في هباته . قال تعالى : ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ .
سادسًا : الحكمة في الهبة :
فإن الناس قد يهبوا من لا يستحق أو من تضره الهبة ، فيضروه من حيث أرادوا نفعه ، أمَّا اللَّه عزَّ وجلَّ فإنه حكيم فيما يهب ولمن يهب عليم بمن يستحق خبير بمن تصلحه الهبات ممن تفسده ، ولذلك فإنه لا يملك الهبة والنفع بها إلا الله وحده ، ولذلك فإنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ .
* * *
العلي - الأعلى - المتعال
(( جل جلاله وتقدست أسماؤه ))
المعنى اللغوي :
يأتي العُلُو في اللغة على أربعة معاني :
1- علو كل شيء ارتفاعه ، ويقال : علا فلانٌ الجبل إذا رقيه ويعلو عُلُوًا .
2- القهر والغلبة : يقال : علا فلانٌ فلانًا إذا قهره ، وعلوتُ الرجل غلبتُه ، ومن قول العرب :
فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسرٍ وكاسرٍ
(1) رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .