تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الباب من قواعد اللغة العربية وسواه من أبواب أخرى يعد مستعملاً نادرًا، وإذا ما استعمل، فإن مستعمليه لا يعلمون ما يصنعون، وخاصة النصب بالحكاية على معنى "تظنّ":

أما الرحيلُ فدون بَعْدِ غَدٍ ... فَمَتَى تقُول الدَّارَ تَجْمَعُنَا؟

بل ربما العالم به لم يعد يجرؤ على استعماله نزولاً عند لغة العامة، مع أن الكتاب والشعراء والأدباء هم من يجب الالتفات إلى مثل هذه القواعد العربية الأصيلة السهلة لإحيائها وترسيمها، ولكن أين هؤلاء؟ معظم من غدا ينتمي إلى حقل الكتابة الأدبية عندنا لا يكلّف نفسه عناء الرجوع إلى الموروث اللساني العربي، ويجتزئ بلغة هي اقرب إلى لغة العوام منها إلى لغة الخواص.

ومثل ما مضى ما أسماه "الرفع بالتحقق" كقولك: "لا إله إلاّ الله"، حيث رُفع لفظ الجلالة "الله" على التحقيق، وسُمّي الرفع هنا تحقيقًا، لأنه لا يجوز للمتكلم أن يسكت دون تمام كلامه، وهذا مثل قولك: "لا غلامَ إلا زيدٌ"، وانظر إلى هذا المُصنِّف كيف يُقرّب لك القواعد المستعمل، في الباب ذاته، في قول تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ، فَنَفَعهَ إِيمَانُهَا، إلاّ قومَ يُونُسَ، لَمَا آمَنُوا﴾ تقريباً دلاليا، لا تشعر معه بضيق ولا ملل: "معناه: فهلاَّ كانت قرية آمنها فنفعها إيمانها، إلا قومَ يُونسَ، أي: "وقومَ يونسَ"، لأن "إلاّ" بمعنى: لكنّ قوم يونس، لأن "إلا تحقيق، ومثله قوله جلّ ذكره: ﴿طَهَ، ما أنزلنا علَيْكَ القُرآنَ لِتَشْفَى، إلاّ تَذكِرَةً لِمن يَخْشَى﴾، نصب "تَذكِرَةً" على معنى: لكنّ تذكرةً إذ كان من حروف التحقيق، ومن قرأ "تَذْكِرَة" بالرفع أراد: إلاّ أنْ تكون تَذْكِرةٌ عن الفرّاء" (1).

(1) - الجمل في النحو، ص: 155 - 156.

النحو العربي بين التيسير والتعسير · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النحو العربي بين التيسير والتعسيرص ٢٢