وقد تقدَّم بيان ما في هذه المسألة، وأن هذا لا يقتضي التعديل. والظاهر عندي أن الباعث لديه على ذلك خلط ابن عدي بينهما، فقد ترجم للراسبي، إلا أنه سمَّاه عمرو بن مالك النكري، فخلط بين الاثنين، ولذا قال الذهبي في "الميزان" (3/285):"عمرو بن مالك الراسبي البصري، لا النكري..".
ومما يدل على أنه لم يوثق النكري هذا أنه قد أورده في "الكاشف" (2/4287)، وقال: "وثق".
وهذا الوصف أتى بصيغة التمريض، وهذا مشعر بأن المعتمد فيه ذكر ابن حبان له في الثقات، وقد تقدم بيان ما فيه.
ثم وجدت بعد ذلك ما يدل على أن البخاري قد ضعفه أيضاً.
فقد أخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (2/1/16) في ترجمة أوس بن عبد الله أبي الجوزاء:
قال لنا مسدد ، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها.
قال البخاري : " في إسناده نظر".
قلت : ورواة هذا السند محتج بهم إلا النكري هذا، فهو آفة هذا السند، وهو المعني بقول البخاري: " في إسناده نظر ".
قال الحافظ ابن حجر في التهذيب" (1/336):
" وقول البخاري : في إسناده نظر، ويختلفون فيه، إنما قاله عقب حديث رواه له - (أي لأبي الجوزاء)- في "التاريخ" من رواية عمرو بن مالك النكري، والنكري ضعيف عنده".
بل قد صح عن ابن عدي ما يدل على تضعيفه للنكري الذي يروي عن أبي الجوزاء، فقد نقل الحافظ في "التهذيب" (1/336) عن ابن عدي قوله:
"حدَّث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة".
قلت : وهو عند ابن عدي في "الكامل" (1/402).
وبذلك يتبين للقاريء الكريم ضعف هذا الأثر ونكارته، بل لو صح لم يكن فيه حجة على جواز التوسل بالذات، فإنهم إنما فتحوا كوة من القبر إلى السماء، ولم يرد أنهم قد توسلوا بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم أحدثوا دعاءً خاصاً، والله الموفق.
الأثر الثاني :
أخرجه ابن أبي شيبة: