ومما يدل على أنه لم يوثقه من جهة الضبط أنه قالك "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه"، والاعتبار لا يدل إلا على تمريض القول بالتوثيق، فإنه إن كان ثقة فلا حاجة على اعتبار حديثه، فقد جاز القنطرة، وأما إن اشترط اعتبار حديثه، فهذا لأجل سبره والوقوف على ما إذا كان وافق الثقات أو خالفهم، أو انفرد عنهم بشيء لا يُحتمل منه، والاعتبار معناه معروف، مشهور، قد نقله ابن الصلاح عن ابن حبان في "علوم الحديث"، وخصه بما وافق فيه الراوي الثقات.
ومما يؤيد ذلك أن الحافظ ابن حجر نقل عنه في "التهذيب" كلامه السابق، وزاد فيه: "يخطيء ويغرب".
إلا أن المؤلف قد طعن في هذه الزيادة، فقال (ص: 257):
(وقع في التهذيب (8/96) زيادة على كلام ابن حبان، لم أجدها في الثقات، هي :"يخطيء ويغرب"، وهي سبق قلم بنى عليها الحافظ قوله: له أوهام).
قلت: وهذا فيه نظر، وقد مرت عليَّ جملة من التراجم أوردها الحافظ في "التهذيب" وعزاها إلى الثقات، وهي غير موجودة في "المطبوعة"، وقد حوت بعض هذه التراجم أخباراً مسندة، وهذا يمنع من القول بأنها سبق قلم أيضاً.
وعلى فرض التسليم للمؤلف في طعنه في هذه الزيادة، فإنه قد ثبت من وجه آخر عن ابن حبان أنه لم يوثق عمرو بن مالك النكري هذا، بل ذهب إلى التوقف في حاله، وتركه حتى يستبين أمره.
قال ابن حبان في "المجروحين" (3/114) في ترجمة يحيى بن عمرو بن مالك النكري:
" يروي عن أبيه، عن أبي الجوزاء، روى عنه عبد الله بن عبد الوهاب والبصريون، كان منكر الرواية عن أبيه، ويحتمل أن يكون السبب في ذلك منه أو من أبيه، أو منهما معاً، ولا نستحل أن يطلق الجرح على مسلم قبل الاتضاح، بل الواجب تنكب كل رواية يرويها عن أبيه لما فيها من مخالفة الثقات والوجود من الأشياء المعضلات، فيكون هو وأبوه جميعاً متروكيْن من غير أن يطلق وضعها على أحدهما، ولا يقربهما من ذلك لأن هذا شيء قريب من الشبهة".