ولهذا يُقال: لا يُعرف لأبي بكر خطأ في الفُتيا، بخلاف غيره من الصحابة؛ فإن قوله في الجد أظهر القولين. والذين ورَّثوا الإخوة مع الجد، وهم عليّ وزيد وابن مسعود وعمر، في إحدى الروايتين عنه، تفرَّقوا في ذلك. وجمهور الفقهاء على قول زيد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، فالفُقَهَاءُ في الجَدِّ: إما على قول أبي بكر، وإما على قول زيد الذي أمضاه عمر. ولم يذهب أحد من أئمة الفُتيا إلى قول عليّ في الجد. وذلك مما يبين أن الحق لا يخرج عن أبي بكر وعمر؛ فإن زيداً قاضِى عمر، مع أن قول أبي بكر أرجح من قول زيد.
وعمر كان متوقفاً في الجد، وقال: "ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّنهنَّ لنا: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا".
وذلك لأن الله تعالى سمَّى الجد أبًّا في غير موضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾ [سورة الأعراف: 27]، وقوله: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [سورة الحج: 78]. وقد قال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿ يَا بَنِي آدَمَ﴾ في غير موضع.
وإذا كان ابن الابن ابناً، كان أبو الأب أبًّا، ولأن الجدّ يقوم مَقَام الأَبِ في غير مورد النزاع، فإنه يسقط ولد الأم كالأب، ويقدّم على جميع العصبات سوى البنين كالأب، ويأخذ مع الولد السدس كالأب، ويُجمع له بين الفرض والتعصيب مع البنات كالأب.
وأمَّا في العُمَرِيَّتَين زوج وأبوين، وزوجة وأبوين؛ فإن الأم تأخذ الثلث الباقي، والباقي للأب، ولو كان معها جد لأخذت الثلث كله عند جمهور الصحابة والعلماء، إلا ابن مسعود لأن الأم أقرب من الجد، وإنما الجدّة نظير الجد، والأم تأخذ مع الأب الثلث، والجدّة لا تأخذ مع الجد إلا السدس، وهذا مما يقوى به الجد، ولأن الإخوة مع الجد الأدنى، كالأعمام مع الجد الأعلى.