وكذلك ما كان عليه الأمر في زمن صدّيق الأمة - رضي الله عنه - من جواز فسخ الحج إلى العمرة بالتمتع، وأن من طلَّق ثلاثاً بكلمة واحدة لا يلزمه إلا طلقة واحدة هو الراجح، دون من يحرِّم الفسخ ويُلزم بالثلاث؛ فإن الكتاب والسنة إنما يدل على ما كان عليه الأمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر، دون القول المخالف لذلك.
ومما يدل على كمال حال الصدِّيق، وأنه أفضل من كل من وَلِيَ الأمة، بل وممن وَلِيَ غيرها من الأمم بعد الأنبياء، أنه من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأوَّلين والآخرين، وأفضل من سائر الخلق من جميع العالمين.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وإنه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء ويكثرون". قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: "فوا بيعة الأول فالأول".
ومن المعلوم أنَّه من تولَّى بعد الفاضل إذا كان فيه نقص كثير عن سياسة الأول، ظهر ذلك النقص ظهوراً بيّناً. وهذا معلوم من حال الولاة إذا تولّى ملِك بعد ملك، أو قاضٍ بعد قاضٍ بعد قاض، أو شيخ بعد شيخ، أو غير ذلك؛ فإن الثاني إذا كان ناقص الولاية نقصاً بيِّناً ظهر ذلك فيه، وتغيرت الأمور التي كان الأول قد نظَّمها وألّفها. ثم الصدِّيق تولَّى بعد أكمل الخلق سياسة، فلم يظهر في الإسلام نقص بوجه من الوجوه، بل قاتل المرتدّين حتى عاد الأمر إلى ما كان [عليه]، وأدخل الناس في الباب الذي خرجوا منه، ثم شرع في قتال الكفّار من أهل الكتاب، وعلَّم الأمة ما خفِيَ عليهم، وقوّاهم لمّا ضعفوا، وشجّعهم لما جبنوا، وسار فيهم سيرة توجب صلاح دينهم ودنياهم، فأصلح الله بسببه الأمة في علمهم وقدرتهم ودينهم، وكان ذلك مما حفظ الله به على الأمة دينها، وهذا مما يحقق أنه أحقّ الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما قول الرافضي: " لم يعرف حكم الكلالة حتى قال فيها برأيه".