وأما ما كان من باب تبليغ الرسالة فلا جدال في وجوب الاقتداء به فيه. وغير صحيح أن كل ما يتعلق بالمتغيرات الدنيوية هو من باب سُنَّة العادة وبالتالي تندرج تحت السُّنة غير التشريعية ، فهي دعوى تفتقر إلى الدليل، بل الدليل يصادمها، إذ أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضي كونه حاكمًا أو إماماً شملت ميادين كثيرة- أشار إليها محمد عماره أيضاً- كالحروب والأموال والحدود والمنازعات والطلاق والنكاح والعقود... فهل تخلو هذه الميادين عن حكم الشرع!!
إن كثيراً من الميادين المتقدم ذكرها مَنْصُوصٌ على حُكْمه في القرآن والسُّنة، وإنما أدخلها القرافي تحت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضي كونه حاكمًا أو إماماً ليؤكد على أن من يتولاها هو الحاكم أو الإمام لا عامة الخلق، لا ليثبت القرافي عدم الإلزام في أحكامها كما حاول عماره تفسير ذلك.
ومحاولات عمارة متعددة في تأويل النص حسب الاتجاه، فعندما أورد قول القرافي "فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بأذن إمام الوقت الحاضر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه" قال مُعَلِّقًا ومُؤَوِلا ً"إن ما أُخِذَ عن اجتهاد الرسول، باعتباره إمام الدولة، وليس عن الرسالة المُبَلَّغة، أو الفُتيا المتعلِّقة بها، فمردُه إلى إمام الوقت الحاضر؛ أي الدولة الإسلامية المعاصرة ، التي تَسْتأنف ما ورد فيه من السُّنة غير التشريعية، تُمْضي منها ما لا يزال مُحَقِّقًا للمقاصد، وتَستبدِل أحكاماً جديدةً لما لا تتوافر شروط إعمال حكمه... كل ذلك باجتهاد جديد" (372).