والجواب أن نقول: ما يتوهمه البعض أن هذا تغيير في الأحكام الشرعية ليس بصحيح فالحكم الثابت عن الله، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم دائم لا يتغير، وإنما تطبيقه على الوقائع هو الذي يمكن أن يتغير، لعدم تحقق شروطه التي اشترطها الشارع، أو لعدم تحقق المناط كما يقول الأصوليون، وبتطبيق هذه القاعدة على هذه القضايا، التي توهم البعض تغير الحكم فيها يتضح الأمر .
أولاً : منع عمر - رضي الله عنه - إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة :
مَنْع عمر إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة، ليس إيقافًا للحكم ولا نسخًا له، ولا أحد يملك ذلك بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، (وإن غاية ما يقال أن النص الذي جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم لم يحدد أشخاصًا بأسمائهم، وإنما أعطى أناسًا بوصف معين هم "المؤلفة قلوبهم "، فمناط الإعطاء إذن أنهم من المؤلفة قلوبهم. فإذا توافر هذا المناط أعطوا، وإذا لم يتوافر لهم يُعطوا، ولا يقال في هذه الحالة أن النص عُدِّل أو ألغي إذا وقف، إنما غاية ما يقال أن النص لم يطبق لتخلف مناطه) (293).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم شرعًا معلقًا بسبب، إنما يكون مشروعًا عند وجود السبب، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة. وبعض الناس ظن أن هذا نسخ، لما روي عن عمر: أنه ذكر أن الله أغنى عن التآلف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمن عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه، لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك) (294) .