ولهذا لم يقبل الله شفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في أن يستغفر لأمه، بل قال صلى الله عليه وسلم: "استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي". ولم يأذن الله له صلى الله عليه وسلم ولم يقبل شفاعته في بعض المنافقين مع استغفاره لهم، بل قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .
والسبب في ذلك: أنهم ماتوا على الكفر، والكافر لا يغفر الله له.
ومثل ذلك شفاعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم في أبيه أن يدخله الله الجنة فلم تقبل شفاعته، وقد جاء في الصحيح مصرّحًا هذا بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله: إني حرَّمت الجنة على الكافرين".
فالسبب في عدم قَبول شفاعة إبراهيم عليه السلام مع عظيم منزلته عند الله هو كفر أبيه، وأن الله لا يدخل من كان كافرًا الجنة.
ومثل ذلك أيضًا: شفاعة نوح صلى الله عليه وسلم في ابنه أن يُنجيه الله من العذاب العام الذي حلَّ بالقوم الكافرين الذين كذَّبوه وكان منهم ابنه، ولكن ما قبل منه، بل قال تعالى: ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا).