فلماذا ترك أولئك طلب الدعاء من هؤلاء الشهداء؟ بل الثابت عنهم أنهم كانوا يدعون لهم، لا أنهم يسألونهم الدعاء. وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض. نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلم حقيقتها فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا.
6- أخرج مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول: " إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم". وفقه هذا الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد عمر أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أنَّ الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته برزخية.
فإذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أحسن حالاً في القبر على الإطلاق، فكيف بمن يطلب الدعاء من الآخرين؟
ثم إن الأولياء - الذين يذهبون إلى قبورهم ويتوجهون إلى مشاهدهم طالبين لهم الدعاء - ليس لهم أي دليل على وجود حياتهم مثل حياة الأنبياء والشهداء، وإنما قاسوا على حياة الأنبياء والشهداء، ومعلوم أن هذا قياس مع الفارق؛ إذ لا دليل على وجود الحياة لأوليائهم في قبورهم.
ب- زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره بدليل عدم قسمة تركته، كما جاء في الحديث النبوي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا نُورث ما تركناه فهو صدقة". قالوا: إن علة النهي عن قسمة التركة كونه حيًّا في قبره حياة دنيوية، فإن الحي لا يورث.