هذا ما فهموه عن الإمام ابن القيم، فماذا عن فهمهم لنصوص الإمام الشَّاطِبي، ينقل بعض الباحثين نصًا طويلاً للإمام الشَّاطِبي ويستنبط منه "أن أحكام الشريعة (عند الإمام الشَّاطِبي) إنما هي عبارة عن كليات وجزيئات، وأن الكليات تعتبر أصولاً باقية لا تتبدل ولم يحدث فيها نسخ بخلاف الجزئيات التي تجري فيها المشاحنات والمنازعات، وأن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة، وكانت هذه الأحكام المدنية شاملة للرخص والتحقيقات وتقرير العقوبات في كل ذلك في الجزئيات لا الكليات التي أحكمت في مكة وبقيت على حالها"(558).
وحاصل ما فهمه الباحث من كلام الشَّاطِبي ما يلي:
1- أن الجزئيات تخالف الكليات من حيث تبدلها وتغيرها.
2- أن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة.
وكلام الباحث هذا في معرض حديثه عن قاعدة تغير الأحكام وصلتها بنقض الاجتهاد (559) ، ونحن نناقشه في فهمه لكلام الإمام الشَّاطِبي وذلك بعد مناقشة فهمه وفهم الدكتور صبحي لكلام ابن القيم.
الفرع الثاني : المناقشة :
إن مما أناقش فيه هذين الباحثين أمرين مهمين:
الأول منهما: أن المصلحة - التي أخذ بها فقهاؤنا واشترطوا شروطاً لسلامة الأخذ بها هي المصلحة المرسلة (المطلقة من كل قيد إلا قيد النفع). وأسندا العمل بالمصلحة المرسلة إلى الإمام ابن القيم ومن قبله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومما ذكر من الأمثلة عدم قطع الأيدي في الغزو وعدم إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة عظيمة.. وإسقاط الحد عام المجاعة.
الثاني منهما : إن الأحكام المدنية في الغالب غير منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة، وأن تلك الأحكام الجزئية التي نزلت بالمدينة تخالف الكليات المكية من حيث البقاء والتبدل، هكذا على الإطلاق.
مناقشة الأمر الأول: