أما ما هو الحد للزنا بعد الإحصان بالزواج، فهذا أمر لا نعرفه من القرآن بل نعرفه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فقد ثبت بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اقتصر على بيان حد الزنا للمتزوجين والمتزوجات بأقواله فحسب، بل قد أقام هذا الحد فعلا في غير واحدة من الأقضية المرفوعة إليه وهو الرجم. ثم أقامه بعده خلفاؤه الراشدون -رضي الله عنهم- في عهودهم، وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد ـ أي العقوبة القانونية ـ للزنا بعد الإحصان. والرجم باعتباره حد للزنا بعد الإحصان ما زال أمرًا مجمعًا عليه بين الصحابة والتابعين، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولا يدل على أنه كان في القرن الأول رجل له الشك في كون الرجم من الأحكام الشرعية الثابتة. ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر مجمعين على كونه سنة ثابتة بأدلة متضافرة قوية لا مجال لأحد من أهل العلم أن يشك في صحتها.
ولم يخالف الجمهور في هذه القضية إلا الخوارج وبعض المعتزلة، على أنه ما كان الأساس لمخالفتهم أن يكونوا قد شخصَّوا ضعفًا في ثبوت حكم الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما قالوا: إن الرجم باعتباره حدا للزاني المحصن مخالف للقرآن، والحقيقة أن ليس ذلك إلا لخطأ فهمهم للقرآن. قالوا: إن القرآن يبين مئة جلدة حدًّا عامًّا لكل زانٍ وزانية، فليس تخصيص الزاني المحصن من هذا الحكم العام إلا مخالفة للقرآن، ولكنهم ما تنبهوا إلى أن الوزن القانوني الذي هو لألفاظ القرآن هو نفسه لشرحها الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم بشرط ثبوته عنه.