وفي نهاية هذا الفصل نخلص إلى أن أصحاب هذا الاتجاه قد جعلوا الاجتهاد هو المعبر الذي يصلون عن طريقه إلى كل ما يطيب لهم، تحت مسوغ شرعي - في نظرهم - يبررون به منهجهم العقلي الذي خالفوا فيه القواعد التي قررها أهل العلم، ومنها: مجال الاجتهاد، فلا يكون الاجتهاد فيما فيه دليل قاطع، وإنما يكون فيما كان الدليل فيه ظني، أو ما لا نص فيه من كتاب أو سنة، أما عند العقلانيين فلا التزام بهذه الضابط، ويمكن أن يكون الاجتهاد في الأصول والثوابت، ولذلك يرون أن الاجتهاد العقلي يمكن أن يعيد دراسة وتفسير المبادئ التشريعية كما يقول محمد إقبال: (والرأي عندي هو أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا على ضوء تجاربهم، وعلى هدى ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة .
هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ، كما أن حكم القرآن على الوجود بأنه خلق يزداد ويترقى بالتدريج، يقتضي أن يكون لكل جيل الحق في أن يهتدي بما يورثه من آثار أسلافه، من غير أن يعوقه ذلك التراث في تفكيره وحكمه، وحل مشكلاته الخاصة) (66).
وعند محمد عمارة يمكن أن يكون الاجتهاد في النصوص القطعية كما مر، والباعث على ذلك هو تحقيق المصلحة، وكأنه لا يعلم (أن ليس من المصلحة في شيء على الإطلاق ما خالف دليلاً من الكتاب والسنة، أو عارض قاعدة محكمة من قواعد الشريعة .
ولا يصح على الإطلاق أن يكون المعيار في تحديد المصالح موافقتها لأهواء الناس وشهواتهم، أو مراعاتهم لعاداتهم وأعرافهم إذا كانت تخالف شرع الله) (67).
ومن المخالفات الظاهرة عند محمد عمارة التي يخالف فيها ضوابط الاجتهاد هي في من يرى أن لهم حق الاجتهاد، وهم من يسميهم أهل الاختصاص في فكرنا الإسلامي، والمقصود بهم أشمل وأعم من أن يكونوا علماء الشريعة، وعنده أن كل مفكر له حق الاجتهاد، دون أن يكون بالضرورة دارسًا لعلوم الشريعة (68).