قلت: أكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة (26) راجحة. إما لحاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يُؤخر (27) عن الحامل والمرضع عن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود. فتأخير لمصلحة الإسلام أولى.
فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: "والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى للمسلمين ما أبلاهما" فأسقط عنه الحد؟ قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: "لا حد على مسلم في دار الحرب" كما يقوله أبو حنيفة. ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجَن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأَ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقطرة نجسة وقعت في بَحر، ولاسيما قد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال) (28).
قلت : لعل سعدًا فهم من الحديث أن الحد يسقط في دار الحرب وليس يؤجل ويؤخر إلى حين رجوع الجيش، وربما كان هذا اجتهادًا من سعد، وقول الصحابي إذا خالف غيره ليس حجة، والمهم أن الحد إذا وصل إلى الحاكم فلا مجال لإسقاطه أبدًا، أما قبل ذلك فهو غير مسؤول عما لم يحط به علمًا. ولذلك عندما أراد صفوان بن أمية أن يعفو عن سارق ردائه بعد أن وصل أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأراد قطع يده فقال: "قد وهبته له" لم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك منه وقال ما معناه: هلا كان هذا العفو قبل ذلك؟ أما الآن فلا.
وكذلك عندما جاء أسامة بن زيد يشفع للمرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده بعد أن وصل أمرها إليه قال له: "أتشفع في حد من حدود الله؟ والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" أو كما قال.