وقال رحمه الله في "المسائل الماردينية" (ص71): "وحقيقة الأمر في ذلك أنَّ القول قد يكون كفرًا، فيطلق القول بتكفير صاحبه، فيقال: من قال كذا، فهو كافر. لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: الآية10]، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد، فلا يشهد لمعيَّن من أهل القبلة بالنار؛ لجواز أن لا يلحقه الوعيد؛ لفوات شرط، أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون لهن حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم، وقد يُبتلى بمصائب تكفِّر عنه، وقد يشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها، قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله تعالى بها...".
الوجه الثالث: أن قول ابن الجوزي: "فإن المتأولين أعذر منهم؛ لأنهم ردوا الأمر إلى اللغة": يقال عنه:
إن صرف المتأوِّلين الكلام عن حقيقته وردهم الأمر إلى اللغة في كل شيء ليس منهجًا مستقيمًا ولا مسلكًا صحيحًا، بل هو تحريف للكلم عن مواضعه.
وفي كثير من صفات الله تعالى يزعم أهل التعطيل أن اللغة تدل على كذا وتومئ إلى معنى كذا، فإذا نظرْنا في كلام أهل اللغة، لم نجد عالمًا منهم قال بهذا القول الذي يزعمونه، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه : الآية 5]: المعطلة يقولون: ﴿استوى﴾، بمعنى: (استولى)، وأهل اللغة واللسان العربي لا يعرفون ﴿استوى﴾ بمعنى (استولى)، فالمعطلة جهلة بأمر الله، جهلة باللغة العربية، كذبة في النقل.