وافهم ما أقول من جهة اللغة، تفهم وتستيقن أنَّ الجهمية مبدِّلة لكتاب الله لا متأولة قوله: ﴿بَلْ يداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: الآية 64].
لو كان معنى اليد النعمة كما ادعت الجهمية، لقرئت: بل يداه مبسوطة، أو: منبسطة؛ لأن نعم الله أكثر من أن تحصى، ومحال أن تكون نعمه نعمتين لا أكثر، فلما قال الله عز وجل: ﴿]بَلْ يداهُ مَبْسُوطتانِ﴾ [المائدة: الآية 64]؛ كان العلم محيطًا أنه ثبت لنفسه يدين لا أكثر منهما، وأعلم أنهما مبسوطتان ينفق كيف يشاء.
والآية دالة أيضًا على أن ذكر اليد في هذه الآية ليس معناه النعمة:
حكى الله جل وعلا قول اليهود، فقال: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾، فقال الله عز وجل ردًّا عليهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقال: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسوطَتانِ﴾ [المائدة: الآية 64]، وبيقين يعلم كل مؤمن أن الله لم يرد بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيْهِم﴾؛ أي: غُلَّت نعمهم، لا، ولا اليهود [أرادوا] أن نعم الله مغلولة، وإنما رد الله عليهم مقالتهم وكذبهم في قولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلولَةٌ﴾، وأعلم المؤمنين أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء...".
الوجه السابع: أن قول ابن الجوزي على قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: الآية 75]: "أي: بقدرتي ونعمتي": باطل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن القوة والنعمة لم تردا بلفظ التثنية.
الوجه الثاني: أنه لو صح ورود القدرة أو النعمة بلفظ التثنية، ففي هذه الآية باطل اتفاقًا؛ لأنه لا يكون لآدم خصيصة على غيره من سائر المخلوقات، فالكل مخلوقون بقدرة الله تعالى، فلا يكون هناك مزية لآدم على غيره، وهذا باطل باتفاق المسلمين:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتج آدم وموسى عليهما السلام عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه...".