فهذه القاعدة التي ذكرها "ابن كثير" رحمه الله هنا عامة في كل آية تُنفى فيها الشفاعة، أو يُنفى ملكها، ثم يُستثنى فيها الإذن للشافع الذي رضي الله عنه.
وليس المقصود نفي الشفاعة مطلقًا؛ لوجود الاستثناء فيها، وليس الاستثناء متصلاً؛ لأن المأذون له في الشفاعة لا يؤذن له فيها إذنًا مطلقًا، ولا يملكها بمجرد الإذن فيها.
ومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، وقوله تعالى:﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقوله تعالى: ﴿لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾.
فرِضا الله عن الشافع شرط في الإذن له في الشفاعة. هذا عن شرط الرضى عن الشافع لكي يأذن له.
فهذا الشرط يتضمن شرطين في الحقيقة، هما: الرضا عن الشافع، وإذنه للشافع بالشفاعة.
2- أمَّا شرط كون الشفاعة مرضية لله أيضًا فقد جاءت آيات تنص على ذلك، كمثل قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ .
وقد تقدَّم أن الإذن للشافع لا يكون إلا إذا رضي الله عنه، ولا يرضى عنه إلا إذا كان على التوحيد، وأما رضى الله لقوله فالمقصود رضاه لشفاعته، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت حقًّا وصوابًا. وقوله تعالى: ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾، موافق لقوله تعالى في الآية الأخرى:﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾.
فإذا لم تكن الشفاعة بالحق والصواب لم تُقبل ولو تحقق الشرط الأول الذي هو الرضى عن الشافع.