إن الاستغاثة بالأنبياء والأولياء من أعظم الأسباب لاجتلاب البركات، واستنزال الرحمات والخيرات، واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات، والتوسل بهم من قبيل الأخذ بالأسباب، وليس ذلك من باب الشرك بالله ولا من قبيل عبادة غير الله، وإن طلب الغوث منهم على سبيل الكسب والتسبب، ومن الله تعالى على سبيل الخلق والإيجاد. وغاية ما يعتقد الناس في الأموات أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء، لا أنهم خالقون موجودون، والتسبب والتكسب مقدُوران للميت، وفي إمكانه كالحي، فمن يستطيع أن يقول: إن ذلك شرك؟. هذه كانت شبهة الكسب والسبب التي يتشبث بها المتصوفة قديمًا وحديثًا.
يُجاب عن هذه الشبهة بما يلي:
إن احتمال التكسب والتسبب في الاستغاثة بالأموات المقبورين، والأحياء الغائبين لا يمكن صحته ولا يتصور وقوعه؛ لعدم قدرتهم على ذلك، فاحتمال الكسب والسبب هنا باطل من أساسه، يقول "الألوسي": (فإن قلت: إن للمُسْتَغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى... قلنا له: إن كلامنا فيمن يُستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلاَّ الله، أو السؤال بما لا يُعطيه ولا يمنعه إلاَّ الله، وأمَّا فيما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس واستغاثة بعضهم ببعض - فهذا شيء نقول به ولا نمنعه ولا نُنكره، ونعد منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما قبله - وهو ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى - شركًا. والعراقي - عامله الله بعدله - أورد نصوص المباح في الممنوع، واستدل بدلائل المشروع على غير المشروع... وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، فتحقق أنه لا يُستغاث به - أي بالعبد -، ولا يتوكل عليه، ولا يُلتجأ في ذلك إليه إلا بالله وعليه وإليه. فلا يقال لأحد - حي، أو ميت، قريب، أو بعيد - : ارزقني أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي..).