قلتُ: معنى قول ابن الصلاح أن المنكر بمعنى الشاذ يعني به اتفاق هذين النوعين في كون راويهما قد تفرد بما رواه، فإن كان تفرده دون مخالفة لغيره من الرواة فقسم، وإن جمع إلى التفرد المخالفة فقسم آخر. ولهذا انقسم المنكر ـ وكذا الشاذ ـ إلى قسمين غير أن ثمة اختلافاً فارقاً بين النوعين، فراوي الشاذ ثقة، وراوي المنكر ضعيف.
وقد فهم ربيع من قول ابن الصلاح أن المنكر بمعنى الشاذ أي من كل وجه، ولهذا أورد هذا الكلام متعقباً الحافظ في قوله: "هذا يعطي أن الشاذ والمنكر عنده مترادفان".
المثال الثالث:
ذكر الحافظ قول ابن الصلاح: "إذا كان راوي الحديث متأخراً عن درجة أهل الحفظ والإتقان غير أنه من المشهورين بالصدق والستر وروي حديثه من غير وجه، فقد اجتمعت له القوة من الجهتين وذلك يرقى حديثه من درجة الحسن إلى درجة الصحيح".
قال الحافظ: "فيه أمور: ... " ثم قال: "وثانيهما: إن وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح، وكان على شرط الحسن إذا روي من وجه آخر لا يدخل في التعريف الذي عرف به الصحيح أولاً. فإما أن يزيد في حد الصحيح ما يعطي أن هذا أيضاً يسمى صحيحاً، وإما أن لا يسمي هذا صحيحاً. والحق أنه من طريق النظر يسمى صحيحاً، وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح فيقال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط ـ أو القاصر عنه إذا اعتضد ـ عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً". (1/ 417)
فعلّق ربيع بقوله" (3) أنت ترى أن الحافظ قد اعترض هنا على ابن الصلاح في تعريف الصحيح ورأى أنه ينبغي أن يزاد في التعريف ما ذكره، ولكن الحافظ قد عرّف الصحيح في نخبة الفكر وشرحها (صلى الله عليه وآله وسلّم29،32) بما يوافق تعريف ابن الصلاح، وعاير بين الصحيح لذاته والصحيح لغيره فقال: " .. وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معل ولا شاذ هو الصحيح لذاته .. فإن خف الضبط فالحسن لذاته وبكثرة طرفه يُصحح".
والظاهر أن الحافظ غيّر رأيه لأن تأليفه للنخبة كان بعد تأليف النكت بدليل إحالته في النخبة وشرحها على ما في النكت. انظر نزهة النظر ص41" أهـ كلام ربيع.