وأما الإرجاء والرفض والقدر والتجهم والحلول وغيرها من البدع فإنها حديث بعد انقراض عصر الصحابة ، وبدعة القدر أدركت آخر عصر الصحابة ، فأنكرها من كان منهم حيا كعبد الله بن عمر وابن عباس وأمثالهما رضي الله عنهم ، وأكثر ما يجيء من ذمهم فإنما هو موقوف على الصحابة من قولهم .
ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها ما حكيناه عنهم ، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين واستفحل أمرها واستطار شرها في زمن الأئمة ، كالإمام أحمد وذويه . ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول وظهر أمرها في زمن الحسين الحلاج ..."(1) .
ولقد نقلنا كلام ابن القيم على طوله لأن الأستاذ الأعظمي استدل به على أن أئمة الحديث تعرضوا لنقد المتون بالعقل .
وليس في كلام ابن القيم تعرض لنقد المتن كما رأينا ، بل إنه صدر كلامه بالتعرض لنقد أسانيد وطرق الحديث (2).
وهذا هو مسلك المحدثين كافة في نقد الأخبار والروايات ، وقد بينا أنهم أسسوا منهجهم النقدي على نظري الإسناد باعتباره الوسيلة الوحيدة لحفظ النصوص ونقلها والإطار الوحيد الذي يتيح للناقد التوصل لصحة الخبر .
(1) تهذيب سنن أبي داود ( مع حاشية ابن القيم ) (7/60-61) .
(2) وبتأمل كلام ابن القيم رحمه الله نجد أنه اعتمد على أمرين في نقده لحديث : " مجوس الأمة .." الأول : هو النظر في الأسانيد ومعرفة عللها ، وهذا هو الأصل عند المحدثين كما قررنا ، والثاني : النقد عبر الموازنة مع الحقائق التاريخية ، فقد استعرض ابن القيم تاريخ تلك الطوائف المبتدعة لاستشفاف إمكانية قول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحديث ، وهذا ليس بنقد عقلي عند التأمل ، لأن الحقائق التاريخية لم تثبت إلا بالأسانيد الصحيحة ، فكأن الموازنة كانت معها لا مع مجرد معانيها ، فعاد الأمر إلى الإسناد كما هو ظاهر .