يدعَني، ويفتح عليَّ بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تُسمَع، وسل تُعطَه، واشفع تشفع)) (1). وقوله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾، وهذا أيضًا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغَشِيّ، قال ابن مسعود: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ أي زال الفزع عنها، وقال ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ يقول: جُلِّي عن قلوبهم، فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضًا: ﴿ماذا قال ربكم﴾ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قالوا الحق﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وهو العلي الكبير﴾).
وفي هذه الآيات تَثبُت حقيقة الارتباط بين الفرقان العقدي والمنهجي بصفة العلو، واسم الله العلي الكبير حيث جاء في الآية: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾.
فالإيمان بأن الله هو «العلي الكبير» كما أنه الأساس العقدي للفرقان بين الخالق والمخلوق، فإنه الأساس المنهجي للفرقان بين الهدى والضلال.
سُئل الجنيد عن التوحيد فقال: (هو إفراد الحدوث عن القدم)، فَبَيَّن أنه لا بد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق، فلا يختلط أحدهما بالآخر.
أما في سورة غافر: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير*هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من
(1) أخرجه البخاري (3340، 4712)، ومسلم (501) كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (4476، 6565، 7510)، ومسلم (495، 500) كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.