قال القرافي: «إن التيمم لو كان طهارة لم يحتج إلى الغسل؛ لأنا لا نعني بالطهارة إلا ما أزال المانع الشرعي؛ ولأن الجمع بين طهارتين خلاف قواعد الشرع في الأحداث، فيتعين حمل الحديث على حالتين، حتى يكون معناه أن يتيمم إن عجز عن استعمال الماء، ويشد على جرحه خرقة, ويغسل ساءر جسده إن أمكنه استعمال الماء, ومثل هذا الإضمار مجمع على جوازه، وما ذكرتموه على خلاف القواعد غير مجمع عليه، وحمل كلام الشارع على موافقة قواعده، وطرد عوائده، وما أجمع عليه أولى مما ذكرتموه» (1).
ثانيًا: القياس:
إن الجبيرة وما في حكمها حائل يمسح عليه، فكان من شروط المسح عليه تقدم الطهارة، شأنه في هذه شأن سائر الممسوحات، ومنها الخف (2).
اعترض على الاستدلال به:
قال القرافي: «إن القياس على الخف قياس مع الفارق، إذ الخف لا ضرورة في لبسه على غير طهر؛ لأن وقت لبسه والمسح عليه معلوم, وأما الكسر, أو الجرح الذي تشد عليه هذه الحوائل تأتي الإصابة به بغتة بغير علم، فكان ثمة ضرورة في لبسه على غير طهر؛ لأنه لا يمكن التنبؤ بوقت الإصابة به، حتى يمكن تطهيره قبل شد الجبيرة أو العصابة عليه» (3).
المناقشة والترجيح:
إن ما يترجح في النظر من هذين المذهبين بعد استعراض أدلتهما, وما اعترض به على بعضها هو مذهب القائلين بعدم اشتراط وضع الحوائل على طهر لجواز المسح عليها؛ وذلك لقوة ما استدلوا به على مذهبهم؛ ولأن الجبائر والعصائب وما شابهها إنما يحتاج إلى وضعها على العضو المألوم فور حدوث ما يوجب ذلك، وقد يترتب على تأخير وضعها لتطهير موضعها حدوث مضاعفات، كما في حالة وضع اللواصق والضمادات على الجروح النازفة، وفي الإبطاء في وضعها إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وقد نهى عنه الشارع، ومن ثم فلا يشترط وضع هذه الحوائل على طهر لجواز المسح عليها.
أما ما استدل به من اشترط وضعها على طهر, فإنه لا يفيدهم في تعضيد مذهبهم؛ وذلك لأن حديث جابر لم يذكر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرورة وضع العصابة على طهر، وليس فيه أن هذا التيمم مشروط أو لا لوضع العصابة على طهر، فقد عطف عصب موضع الجراحة على التيمم بالواو، وهي الجمع، فيجوز للمشجوج أن يبتدئ بعصب الموضع المألوم ويتيمم بعد ذلك، كما يجوز العكس؛ لأن هذا هو ما تفيده العبارة، ولو كان الترتيب بينهما مراد لعطف بينهما بـ «ثم» كما عطف على العصابة، وغسل سائر البدن على ما قبلهما.
(1) الذخيرة 1/ 319 - 320.
(2) المغني 1/ 281، الكافي 1/ 41، كشاف القناع 1/ 114.
(3) الذخيرة 15/ 320.