تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18-مقومات الشخصية التنفيذية

ما زال صوت شاعر فقيه ينساب مع الزمن منذ العهد العباسي يصف الحر، فيستوقفك في تغنيه وتطريبه، ويثير اهتمامك، كأنه يرسم صورة شخصية الداعية الذي تحب أن تنيط به تنفيذ هذه الأماني، حتى يشدك إلى جمالها، حين يسترسل يغبط الحر الطموح ويقول:

واهاً لحر واسع صدره ~~~ وهمه ما سر أهل الصلاح

سوده إصلاحه سرة ~~~ وردعه أهواءه، والطماح

... فسعة الصدر، وارتباد الخير للمؤمنين، وتزكية الباطن، وعصيان الأهواء، وقلة الطمع: شروط أساسية لنيل الحرية التي تمكن صاحبها من سيادة جيله وقيادته.. يجيئونه يقدمونه، ويجبرونه على أن يكون لهم موجهاً وبينهم حكماً وفيهم سيداً، إذا رأوا حرصه على جلب المصالح لهم ونقاء سريرته.

نخلة بغداد

... وضرب عبد القادر الكيلاني مثلاً لقلب المؤمن إذا استوفى التربية واحتياجه الناس، فشبهه بنواة في صحن دار لا سقف له تحيطها جدران أربعة، فتنبت، ويربيها ماء المطر وشعاع الشمس، حتى إذا استوت نخلة، وشمخت مرتفعة طامحة إلى الأعالي: رآها الناس. وأغراهم رطبها، فالتقطوا منه يأكلون، واستظلوا بسعفها، وهي محروسة في الداخل ليست تنالها يد مفسد.

... وما النشأة التربوية للدعاة إلا كمثل نشأة هذه النخلة، يسعى نحوهم الناس بعدها، وحولهم يتحلقون، ويأمنون بقربهم في ظل هيبتهم.

خلوص النية: خلاصة العطية

ويبهر الناظر إلى سيرة السلف عمق الاقتران التام في سلوكهم بين التربية الإيمانية والممارسة السياسية والجهادية، حتى لتقتنع بأنهم لم يكن ليتاح لهم التأثير الذي تركوه والنصر الذي حازوه إلا بتهذيب النفوس وكثرة العبادة.

ليست أمثلة الصحابة والتابعين والصدر الأول فحسب، وإنما هو عطاء الإيمان حتى في قرون التخلف أيضاً، وينتصب عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية مثالاً كامل الأوصاف، وهو شقيق شيخ الإسلام أبي عباس، وكان فقيهاً كأخيه، مع أن شهرته أقل، وله باع في الحديث ومعرفة الأسانيد ورجالها.

المسار · الصفحة ٣٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المسارص ٣٤٨