تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنهم لا يدرون أنهم سيبقون يراوحون فى مكانهم سنين عديدة، لا يتوسع عددهم إلا قليلا، فتسبقهم الجماعات الأخرى والأحزاب المعادية، لأن الجمع بني السعة والتشدد لا يمكن أن يكون أبداً مهما اشتهوا واستطالت أمانيهم، كان ذلك قدراً مقدوراً عليهم ما هم بخارقين حدوده ولا نفاذين من أقطاره طلقاً، فإن الله تعالى خلق الأذكياء والشجعان الكاملين قلة إزاء كثرة ضعاف، والناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، ومعنى التشدد أن تحوز هذه النسبة المئوية القليلة وتجمد عليها بالحرص على مصلحة الإسراع ودخول السباق ويريك إياها أكبر من المصالح التى يجلبها التشدد، ومع ما فى ذلك من احتمال نكوص البعض والانحراف وتوليد المتاعب، فإن فى فوات الفرص تعباً أكبر، ولعل مواعظنا، وأيام العمل، وحيثيات مشاركتهم لنا، وتربيهم وتكمل لهم نقصهم وتنتشلهم من عيوبهم.

إننا لا ننفى أهمية التشدد فى الانتقاء، والتأنى فى التوسع، والبعد عن الانكماش، بل نحن دعاة هذا الفقه، لكننا لا نريده سمتاً صلداً يهمل المنطق، فإن هذه القواعد ضرورية كلها أيام التأسيس الأولى، وأما بعده فإن الانفتاح يقتضى مرونة بمقدار أوسط، ثم مرونة كاملة أيام التصعيد، ولا بد من نظرات نسبية ومراعاة للأحوال الخاصة وللأدوار المرحلية ولحجم الطاقات المتوفرة والمطلوبة.

لسنا ننكر أننا قد فحصنا تاريخ الدعوة ورأينا، وحللنا التجارب فهزت أكتافنا، وأقنعتنا بأن من الخطر أن نطفر طفرة فى العمل نتجاوز بها المقدمات الضرورية للعمل الجماهيرى العام، بل لابد من انتقاء حذر أولا للجيل المؤسس بشروط صعبة، ثم لابد من تربيته، ثم لابد من من توسيعه وبثه فى المرافق وتدريب الكفايات الاختصاصية وتشكيل اللجان المكملة للمجموعة القيادية، كل ذلك قبل التصدى لتجميع الجماهيرى الواسع بالشرط المتساهل أو النزول السياسى المتحدى.

المسار · الصفحة ٢٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المسارص ٢٩٤