نعم، وجت وتوجد اليوم صحف إسلامية، ولكن المراحل المتقدمة من المسار تحتاج صحيفة أقوى رأيا وأصرح لفظاً، فإن الصحيفة الحركية تتجاوز مجرد كونها أداة إعلامية، وإنما هى مدرسة سياسية لتثقيف الدعاة وتدريبهم، ويتعلمون عبر عمليات جمع أخبارها وكتابة مقالاتها خفايا السياسة وأوزان الرجال، حتى أنها لتعتبر المجسة المهمة التى تملكها الدعوة للتعرف على مفاهيم الناس واتجاهاتهم، لتحسس ورصد الفرص قبل مثولها، فوق دورها الكبير المهم فى توحيد آراء الدعاة، وتقريب الناس منهم.
فصحاء الإقناع يؤججون الصراع
من هنا يتوجب على الحركة فى كل بلد أن تضحى ببعض العناصر القوية من الدعاة، تسلهم من زحام الإداريات، وتشعب الارتباطات، لتكون منهم جهاز التحرير الصحفى المتخصص، وإنما وصف هذا التدبير بالتضحية مجازاً، لأن من شأن بعض القادة حصر الجهود فى العمل التنظيمى فقط.
ويكاد أن يكون اختيار رئيس التحرير هو أصعب ما فى هذه العملية طراً، إذ ينبغى أن يكون عنصراً كاملاً وأصلاً، وليس بالمبتدىء ولا بالمتوسط، عالى الثقة حاد الذكاء، سيال القلم، ثرى اللغة، وليس من الغلو إذ جمعنا شروط رئيس تحرير الصحيفة الحركية موازية لشروط القائد نفسه وفى محاذاتها، لأن الصحيفة تعتبر وجه الجماعة الطالع تلقاء الناس أجمعين.
إن الدعوة لا تنجب فى كل جيل إلا القلائل من أصحاب الكفاية الراقية، وأنفاس كل قطاع فى التنظيم وراء أصحاب المهارة الذين يحوزهم، وليس من السهل أبداً أن تقنع قطاعاً أو لجنة بالتخلى عن داعية بمثل هذا المستوى، ولعل انتزاعه منه أو منها بدرجة انتزاع ولد وحيد من حضن أمه، ولكنها خطوة ضرورية لا بد منها، وسرعان ما يعوض تأثيره من خلال الصحافة عن غيابه أضعافا مضاعفة.
فإذا حصلت الصحيفة على رئيس بهذه المنزلة: كان لا بأس أن تتحلق حوله حلقة من الشباب الناهض يؤلفون جهاز التحرير، ويصبحون تلامذة له يدربهم، ويوجه طاقاتهم.