ويجب أن نفهم أن أهم واجب على العمل الإسلامي اليوم إنما يكمن فى توعية المسلمين وترويض النفوس وتأديبها ، وتزويدها بالتقوى الكافية لأن تريها ضرورة وحدة الصف ، ونبذ الفتن ، والتفرق والخلاف ، إذ لم تؤخذ الدعوة الإسلامية إلا من هذه الثغرة ، ولم يقتحم العدو إلا عبرها.
فالمتوقع أن الحكومات التى تضيق ذرعاً بالتيارات الإسلامية النامية المتصاعدة فى بلاد كثيرة لن تلجأ إلى سرعة الضرب والإرهاب ، بل تصبر ، حتى تكتشف بعض من ينتسب إلى طريق الدعوة ولديه مراء ، وجرأة على الفتوى ، واستعجال فى البحث الفقهي ، من أى جماعة إسلامية كانوا ، فتدس من يشجعهم على ترويج آراء غريبة وإثارة قضايا لا ينبنى عليها عمل ولا تعالج واقعاً قائماً ، وتعطى فى الوقت نفسه المجال الواسع لبقية الدعاة للرد على ذلك ، فتندلع معركة فكرية فقهية حامية الوطيس بين الجماعات الإسلامية ، يحتار لها ألقاب المسلم السائب ، فيزهد فى الجميع ، ويؤخر قدماً كان قد مدها لتقدم وسير ، فتخلوا الساحة من نصير ، وينعزل دعاة الإسلام عن رجال المساجد وشباب الجامعات وحملة الفكر وأعيان الناس ، فتبدأ الحكومات أنذاك تحرشها وكبتها ، فى حملة إعلامية تجسم أخطاء المسلمين أنفسهم ، مسنودة بمظلة من أعمال حكومية ذات صفة إسلامية عامة تعطيها صورة حسنة لدى الساذج ، من بناء المساجد المزخرفة ، وطبع المصاحف الملونة وعقد المؤتمرات الإسلامية ، وجلب الوعاظ ، وتحجب بصره عن محنة تكوى أهل الحق المختلفين ، وما مسكنه عنهم ببعيد.
إن الآراء الفقهية الخلافية ، أو تفاصيل الأنظمة الإسلامية ، إذا لم تظهر اليوم ضرورة لبحثها ، وكان الدعاة فى أن يسيروا بدون اتخاذ موقف جازم عاجل إزاءها ، فإنه يكون من الأفضل تجاوزها إذا أدت إلى استعار الردود بين المختلفين ، سداً للذريعة ، وكبتاً لاحتمالات التعصب ، وحصراً لنطاق تبادل الاتهام ، وتجاوزاً لاحتمالات المحن التى تأتى بسببها أو مستغلة لها .