إن خلاصة التقويم للتجارب الكثيرة لا تجيز أبداً التفريط بإحدى الطائفتين ، فإن فقدان الأولى : يقسى قلب الثانية ، ويجنح بها إلى التطرف والمجازفات وتكوين الجيوب ، فإن الممارس القديم فقيه وإن انكشف ، أمين وإن خالطه الترف ، وانتفاء الثانية يذهب بهيبة الأولى ، فيستضعفها الظالمون ، ويؤذيها المتجبرون ، وكل تحمس زائد لتصور صواب الاقتصار على نمط واحد فقط من العمل فى البلادان المكبوتة يعتبر تجاهلاً لدلالة الواقع لا يساعده النظر الحصيف .
ونلاحظ هنا بصورة خاصة أن سلبيات تأخر سير الحركة الإسلامية بفعل الضربات والمحن الشديدة قد اختلطت بنتيجة إيجابية متمثلة فى تكوين جيل من العناصر المجربة العميقة الإيمان الواسعة الاطلاع ، وكثرت العناصر الراكزة ، وحصل تعادل فى بناء المجموعة يمكن أن يستثمر بنجاح ، بينما كان سير الحركة قبل المحن معتمداً على علو الهمم وفرط الحماسة ، أكثر من اعتماده على الوعى ، بل ما كنا لنقع فى المصاعب لولا فقدان التجريب ، وفى هذه الحقيقة ما يقنعك بأن الاستدراك الذى نريد أن يقوم به الخط الثانى لا يمكن أن ينفصل أبداً عن المعادن الأولى التى تركتها لمسيرة الطويلة .
إن التأمل الرزين يبدى خطأ الاقتصار على الخط الحذر ، إذ كيف تتربى العناصر المؤمنة فى الخطين بدون هذه الوسائل التربوية التى وصفتها خطة الانسياب ؟ ولماذا تتعمد إهمال أناس من الأخيار ولا تضعهم فى تيار الضغط وإن لم يكونوا أهلاً لعمل فردى صامت طويل ويلزمهم التحريك الجماعى ؟ إن تجربة الثورة الإيرانية على الشاه تعطى قيمة كبيرة لأهمية التجميع الواسع للعناصر التى هى دون مستوى الانتماء الملتزم وإدارتها فى فلك الدعوة ، ولا تستطيع إعدادها بغير إسماعها الكلام بمختلف فنونه ووسائله ، وبغير الحرف المطبوع ، وهما واجب الخط الأول .
نظرية الالتفاف