ولربما تظن أن الحذر يجمع هذه الصفات ، إلا أن مسحة من السلبية تقترن بالمعنى العرفى للحذر كأنها تنهاك عن كثرة إيراده فى قاموس الوعى ، إذا اكتسب مدلوله سعة تبدى ثغرة يلج منها المنهزم متفلتاً ، إنما هو (فن الحساب النسبى) أجدر بلغة الدعوة وأليق ، وأشهر فى مذهب البلاغة ، فإن رأى الداعية اليقظ ، فى الإفصاح الشعرى :
رأى تفنن فيه الريث والعجل
فهو ينتظر متحفزاً مراقباً ، إذا كان الريث أولى
ويقتحم ، راكضاً مقبلاً ، إذا كان العجل أولى
وقبلهما ، وما بينهما ، وبعدهما : موازنات وتخطيط ، فيرى تفاضل المجالات فى الأهمية ، وضرورات مراعة الظروف ، وإحلال التكامل الموضوعى ، وتنسيق الحاجات المرحلية ، والترجيح بين المصالح المتعارضة ، وحكم الواقع ، والإمكانيات المتوفرة دونما مثاليات حالمة .
إن هذا المنحى التحليلى لأبعاد العلاقات المتنوعة الرابطة بين الواقع والغاية يجعل كل خطة محلية ، فى كل قطر ، مأسورة إلى قواعد تتحكم بطبيعة المرحلة التى هى فيها من المسار ، وفى تطبيق نسبى لفنون العمل العامة ، بحيث يحصل تكيف مرن مع البيئة ، تكون معه المحافظة على الأصالة ، وتمييز تردد مهمتنا بين الواجب الدعوى والاجتهاد الفقهى ، والإفلات من مخاطر الضرب التى تصاحب الانكشاف ، وتحديد مكانة آراء القادة والأتباع ، ومدى نفرذها ، مثلما يتم إحلال تكييف من نوع آخر لعوامل الإغراء بالتقدم والولوج لتناسب محتملة ترافق السير السريع المتجاوز لما يوجبه هذا التناسب ، ويظهر هذا التكيف الثانى فى صور من التدرج فى الإصلاح ، والعناية بالتربية العبادية الخلقية ، وتجزئة الهدف وتأجيل استقطاب القوى الثانوية ، ولانسحاب من المعارك الجانبية ، وربط تصعيد الصراع بنضوج الظروف المساعدة .
فهى عشرة قواعد إذن :
(القاعدة الأولى) : الأصالة واستقلال التقدير ، دون تقليد جزافى :