هاتان المقدمتان تكفيان لتوليد مقدرة على رؤية حكمة ربانية تتمثل فى ظاهرة اجتماعية ثالثة يبدو بها كل جيل من الدعاة فى كل مدينة متكاملاً تكاملاً ذاتياً ، بحيث جعلته أيام العمل ونتائج التربية متوازناً تلقائياً توزعت فيه أدوار أفراده دونما تكلف لتؤدى مجتمعة إلى حالة من العمل الدعوى التام الشامل والجدية الجماعية ، فتجد فى كل جيل من هو قيادى ومن هو منفذ ، وتجد المربى ، والكاتب ، والقدوة فى العبادة ، والممول لحاجات أقرانه المقرض لهم ، والمتكفل بتزويجهم ، وخليفتهم فى أهليهم عند السفر ، وحلال المشاكل العائلية عند حدوثها بينهم ، ومن يحمل إخوانه على أدان الواجبات الاجتماعية فى التهنئة أو التعزية ويذكرهم بها ويصطحبهم معه ، ومن يتسوق لهم ويدلهم على البضاعة الجيدة الرخيصة، أو يشفع لهم ، أو يساعد على علاجهم ، وأمثال ذلك ، بحيث تتكامل مصالحهم ويتراكب بعضها على بعض ، حتى أن بعض أصحاب العقلية التقليدية هم أبرع فى التنفيذ التبعى وأصبر على شظفه ، ولو حل القيادى المجتهد محلهم لكن أقل براعة منهم فى التنفيذ ولأسرع إليه الملل ، أو إنهم لو افتقدو المتعبد لحلت القسوة فى قلوبهم وأحاطتهم الغفلة مهما كان المنهج التربوى جيداً ، أو لوا أن المتكافل بتزويجهم غاب عنهم لأخطأ بعضهم فى اختيار الزوجات ، فما بين مطلق متعب أو تارك للدعوة تابع لزوجته .
إنها علاقات متنوعة يكيف لها كل جيل نفسه تبعاً لحاجاته ، وتزداد إتقاناً مع مرور السنين ، حتى أن جملة صغيرة من النصيحة من أحدهم لبقية جيلة الذى يألف كلامه لتغنى عن مقال من غيره ، وحتى أن خاطرة ترد إلى ذهن أحدهم يبثها لإخوانه يكون لها من الأثر ما ليس لخطة تحريك فصلية ، بما نشأ له معهم من تاريخ مشترك ، ولد تجانساً قلبياً ، امتزجت به الأرواح .