على أن هذا المشروع لم ينجح فيما بعد، ويقال: إن السلطان طلب في مقابل موافقته عليه عشرة ملايين جنيه نقدا، وهو مبلغ استحال على الهيئة الصهيونية أن تدفعه له، كما أن السلطان ما لبث أن أدرك، حين نشر نبأ المشروع في أنحاء الإمبراطورية التركية أن الشعور الإسلامي ضده كان أقوى مما قدره من قبل، وهكذا ضعفت رغبته في الاستجابة لليهود. بل زاد على ذلك أن وعد أهل فلسطين بأن يحد من هجرة اليهود إليها ولو أنه لم يفعل في هذا الشأن إلا قليلا. ولما سقط عبد الحميد عن عرشه وضع الصهيونيون آمالهم في جماعة «تركيا الفتاة»، ولكنهم ما لبثوا أن تخلوا عن هذا الأمل عندما أفهمهم الأتراك المنضمون تحت لواء «تركيا الفتاة» أن حركتهم تتعارض والحركة الصهيونية ككل نقيضين مختلفين.
وفي خطبة افتتاح مؤتمر 1897م الذي كان فاتحة أحد عشر مؤتمرا من نوعه عقد في خلال ست عشرة سنة قبل الحرب العالمية الأولى ختمت بالمؤتمر الصهيوني الحادي عشر في السنة السابقة على بدء هذه الحرب. قال هرزل: «إن هدف الصهيونية هو أن ينشأ في فلسطين وطن قومي معترف به لليهود تحت ضمانات قانونية.» وهناك صهيوني آخر سبق هرزل هو الدكتور بتستر كتب في 1881م يقول: «يجب أن يدمج اليهود كأمة بين الأمم، وذلك بحصولهم على وطن خاص بهم.» وهذه الألفاظ تدل على أن لفظتي «الوطن القومي» اللتين تضمنهما تصريح بلفور فيما بعد كانتا من وضع زعماء الصهيونية قبل وضع التصريح بحول أربعين عاما كما أوضحنا قبلا. •••
ولقد تتابعت الأحداث وتعاقبت الحوادث منذ يومئذ على النحو الذي شرحناه في الفصول السابقة إلى أن عقد في شهري يولية وأغسطس سنة 1945م، المؤتمر الصهيوني العالمي في العاصمة البريطانية، مصدرا قراراته التالية: (1) مطالب المؤتمر الصهيوني العالمي
في 13 أغسطس سنة 1945م صدر بيان سياسي عن المؤتمر الصهيوني العالمي اشتمل على رفض الكتاب الأبيض البريطاني الذي وضع عن فلسطين في 1939م، وطلب إجابة مطلب الوكالة اليهودية المقدم إلى الحكومة البريطانية في شهر مايو من هذا العام. وهو ينص على تخويل الوكالة سلطة إحضار العدد اللازم من اليهود للاستقرار في فلسطين والنهوض بالبلاد. وقد صدر هذا البيان بعد موافقة الأعضاء الموفدين إلى هذا المؤتمر. وهو يقول: «إن الكتاب الأبيض «يتضمن النكوث بالعهد الذي قطعته الدول حيال الشعب اليهودي، كما أنه اغتصب الحق الطبيعي التاريخي لليهود الذي اعترف به في قرار الانتداب على فلسطين؛ إذ نص على عودة اليهود إلى وطنهم الأصلي. وقد حد الكتاب الأبيض من حرية الهجرة إلى فلسطين بأن جعل الهجرة في حدود رقعة صغيرة من البلاد. وقضى الكتاب على اليهود بأن يكونوا دائما أقلية، وأنكر عليهم الحق الذي تتمتع به كل أمة، وهو أن تكون حرة مستقلة في بلادها.» ثم نعت البيان الكتاب الأبيض بأنه «امتياز أعطي للإرهابيين العرب»، ولكنه أخفق في الوصول إلى الغرض الذي قصد منه. وقال البيان: إنه لولا وجود هذا الكتاب لأمكن إنقاذ المئات والألوف من اليهود الذين هلكوا في أوروبا بالسماح لهم بدخول فلسطين.
المطالبة بجعل فلسطين دولة يهودية
وأيد البيان مطالب الوكالة اليهودية بشأن اتخاذ قرار عاجل لجعل فلسطين دولة يهودية وإعطائها قرضا دوليا ومساعدات أخرى لنقل المليون الأول من اليهود، وللنهوض بالبلاد من الناحية الاقتصادية، وتقرير تعويضات عينية تدفعها ألمانيا إلى اليهود لإنفاقها في إعادة إنشاء فلسطين.
الأحزاب العربية الفلسطينية
في فلسطين اليوم حول ستة أحزاب سياسية عربية أقلها ذو شأن وأكثرها ضئيل النفوذ والمقام. وقد بدأت الحزبية العربية في فلسطين جزءا من الحركة العربية الاستقلالية الشاملة البلاد العربية في الشرق الأوسط حين كانت جزءا من السلطنة العثمانية. فكان رجال فلسطين ضمن المجاهدين العرب قبل أن تقسم السياسة الاستعمارية الإنجليزية الفرنسية بلادهم أقساما أو دولا وإمارات وواقعات تحت الانتداب. ولعل الجمعية الإسلامية المسيحية لمقاومة الصهيونية كانت الهيئة السياسية الأولى التي تصدت لمناهضة هذه الحركة اليهودية الخطرة. ثم تألفت مؤتمرات متتابعة لا يقل عددها عن سبعة. وكان لكل مؤتمر «لجنة تنفيذية»، ثم إن فلسطينيي حزب الاستقلال «العربي الشامل» نهضوا للتنديد بموقف الإنجليز «إذ إنهم هم الذين أيدوا قضية الصهيونية» إلى جانب مكافحة وباء الصهيونية. وكان المجاهدون الأحرار في مصر وسائر البلاد العربية يؤازرون المجاهدين الفلسطينيين، خاصة حين مضى غلاة الصهيونية يروجون لمشروع واسع خطير وبرنامج طويل كبير، وهو أن الدولة التي يدعون لتأليفها ينبغي أن تشمل جميع البلاد التي بين الفرات شمالا إلى دلتا النيل جنوبا، استنادا إلى أن اليهود قد أقاموا في بابل وفلسطين وسينا ومصر؛ أي إن الصهيونيين يحلمون ببناء إمبراطورية يهودية حين يفوزون بإقامة دولة صغيرة في فلسطين الصغيرة.