تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعدئذ وقف مستر فيليب جيد الله في اليوم الخامس والعشرين من شهر مايو سنة 1925م ليلقي محاضرة على أعضاء الجمعية اليهودية التاريخية من طلبة «اليونيفرسيتي كوليدج» في لندن ليقص عليهم هذه الحادثة، ويخرج منها بأن نابليون بونابرت كان «صهيونيا وقتيا»؛ أي إنه أيد حركتها لفترة من الزمن. وكان بين المستمعين للمحاضر المرحوم مستر لويد جورج الذي كان واقفا واقترح شكر المحاضر، ثم ألقى كلمة قصيرة شرح بها السبب الذي من أجله اتبعت حكومته سياسة الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين على حساب العرب.

ثم إنه في سنة 1827م زار سير موسى مونيتيفور - أول يهودي يعين عمدة لمدينة لندن - فلسطين، وشعر كما يقول بضرورة إسكان «ألوف من إخواننا في أرض إسرائيل»، مسارعا إلى تأليف شركة تعمل على تنفيذ الفكرة، ولكنه أخفق في تحقيقها. وتبع هذه المحاولة محاولات أخرى عديدة من كتاب بعضهم من اليهود والبعض الآخر من غير اليهود، ولكنها لم تؤد إلى نتيجة عملية حتى سنة 1881م حين اغتيل القيصر إسكندر الثاني، وطغت على روسيا موجة من الإرهاب والبطش تعرض فيها اليهود لكثير من ضروب الاضطهاد، حتى اضطر عدد كبير منهم إلى الفرار من البلاد، وتوجه معظمهم إلى الولايات المتحدة، وجعلوا من نيويورك أكبر مركز لليهود في العالم. أما الباقون فاتجهوا إلى فلسطين.

ويقول لينارد شتاين في كتاب «الصهيونية»: إن «ثلاثة آلاف يهودي هبطوا يافا» خلال اثني عشر شهرا من البدء في تطبيق قوانين «شهر مايو سنة 1881م» الروسية بعد هذه الحادثة، وحدث في 1891م أن أرسلت جريدة «نوي فراي برس»، التي تصدر في فيينا عاصمة النمسا صحفيا يهوديا شابا يدعى تيودور هرزل ليراسلها من باريس، فلم تمض ثلاث سنوات حتى كان اليهودي الشاب يشهد محاكمة الكابتن دريفوس اليهودي ونفيه إلى غيانا الفرنسية. وشهد كذلك بعينيه وسمع بأذنيه كل ما جرى أمامه من شعور المقت والكراهية لليهود أيا كانت جنسيتهم؛ فأدرك منذ يومئذ أنه ليس رعية نمساوية مجرية ولكنه يهودي أولا وآخرا. وكما هاجر إخوانه من روسيا بأشخاصهم هاجر هو بعقله وتفكيره من النمسا. وقد خلص من تفكيره بأن الحل الوحيد لمشكلة اليهود هو أن تكون لهم «دولة» خاصة بهم، ولكنه لم يقصد بذلك دولة يهاجر إليها كل اليهود في العالم، بل قصد أن تنشأ دولة يهودية تؤوي كل من يصبح مقامهم في دولة أخرى غير محتمل كهؤلاء الذين هاجروا من الروسيا فتفرق معظمهم إلى أمريكا وأقلهم إلى فلسطين.

وفي 1896م أخرج نظريته هذه في كتاب دعاه «الدولة اليهودية»، وترجم من الألمانية إلى لغات عديدة.

ولم يكن هرزل من القائلين بوجوب إنشاء هذه الدولة اليهودية في فلسطين، ولكنه طالب بدولة أينما تكون ما دامت تؤوي من لا يجدون لهم مأوى من بني إسرائيل. والواقع أنه أوشك أن يقبل عرض الحكومة البريطانية في سنة 1903م بإقامة دولة اليهود في رقعة من الأرض تبلغ مساحتها ستة آلاف ميل مربع في شرق أفريقيا لولا أن الكثيرين من شخصيات اليهود البارزة المنضمة إلى الحركة الصهيونية رفضوا العرض البريطاني «بكل أدب وامتنان»، مفضلين عليه «فلسطين»، وكان أن وافقهم هرزل رغم إدراكه الصعوبات التي تكتنف مثل هذا الطلب.

ولقد مات هرزل، قبل أن تتقدم به السن، في سنة 1904م، ولكن كتاباته ونداءاته وحدت صفوف اليهود؛ فاجتمع مندوبون عنهم في بال سويسرا سنة 1897م، وعقدوا أول مؤتمر يهودي عام خطب فيه هرزل خطبة الافتتاح قائلا:

إن هدف الصهيونية أن ينشأ في فلسطين وطن قومي يعترف به لليهود تحت ضمانات قانونية.

وكان في قوله هذا يعتمد على مفاوضات كانت تدور بين الصهيونيين والسلطان عبد الحميد في صدد إعطاء اليهود امتيازات خارجية في فلسطين تمكنهم من إنشاء «شركة قانونية احتكارية» مثل شركة الهند الشرقية تستعمر فلسطين وتمكن اليهود من أرضها.

المسألة اليهودية · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٩٧