ومما يساعد الحكومة الإنجليزية على هذا الحل السخي لليهود أن تصريح بلفور نفسه - حتى بفرض بقائه صحيحا نافذا، وهو ما لا يقبله المؤتمر بحال - لا يفيد أن الحكومة الإنجليزية قد تعهدت بإنشاء دولة يهودية، وإنما التصريح بنصه، وبما ورد على لسان رجالهم الرسميين يدل فقط على أن إنجلترا «تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي.»
هذا إلى أن النص وهو «النظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين»، لم يقل: «جعل فلسطين مؤسسة يهودية»، وفرق ظاهر بين الحالتين.
ومتى كان الأمر كذلك، ولم تقل إنجلترا مطلقا: إنها تعهدت بإنشاء وطن لليهود ولا أن يكون هذا الوطن دولة، ولا أن تكون فلسطين هي الدولة، فلا حرج إذن على إنجلترا إذا قالت الآن: إنها قد نفذت ما وعدت به اليهود، بتسهيل هجرتهم إلى الآن، في فلسطين حتى بلغ مجموعهم نحو أربعمائة ألف يهودي، وهو أمر يحقق فكرة النظر بعين العطف إلى إنشاء الوطن القومي للشعب اليهودي في فلسطين، والقول بخلاف ذلك يقلب التصريح إلى تعهد بتهويد فلسطين، وهو ما لا تتحمله نصوصه. ويغضب المسيحيين والمسلمين، في جميع أقطار الأرض، ويحاربه العرب والمسلمون بكل ما أوتوا من قوة.
ولا يرى المؤتمر بعد ذلك محلا للتنبيه إلى الخطر المحدق بفلسطين من جراء تدفق الهجرة اليهودية، بالطريقة التي عليها الآن، فإن هذا الخطر ثابت من تقارير اللجان الملكية، وأخصها تقرير لجنة «شو».
عن مشروع تقسيم فلسطين
إن الخطر من تقسم فلسطين لا يقل عن خطر الهجرة، ولا يتفق مع ما أعلنته إنجلترا من «أن الهدف الذي سعت إلى تحقيقه عندما خاضت في الشرق غمار الحرب هو تحرير شعوبه، وإقامة حكومات وإدارات وطنية، تستمد سلطتها من السكان الوطنيين، وتسير وفق رغباتهم الحرة.»
كما لا يتفق مع ما أعلنته من «أن خير الشعوب وتقدمها أمانة مقدسة في عنق المدنية.»
ويخلق من فلسطين دولتين متجاورتين متعاديتين، فضلا عن عدم تصور إمكان المبادلة بين الممتلكات والسكان والأماكن المقدسة من مساجد ومعابد، ومقابر. يضاف إلى هذا أن التقسيم المفروض يحرم العرب من ممتلكاتهم، وهي جل ثروتهم في المنطقة التي يراد إعطاؤها لليهود، وتسد المنافذ على العرب من جهة البحر. يضاف إلى هذا أنه ليس لليهود شيء يذكر من الممتلكات أو السكان في المنطقة الجبلية الجرداء، التي يراد تركها للعرب.
وفوق ما تقدم فإن العرب لا يعترفون بشرعية تصريح بلفور. حتى ولو كان الغرض منه إنشاء وطن قومي روحي لليهود، فكيف يمكنهم الرضا بانتزاع أخصب بقاع وطنهم من أيديهم، ووضعهم في بقاع جبلية، لا خير فيها، فينتهي حالهم بالجوع، فالفناء.
لهذا قرر المؤتمر:
أولا:
اعتبار تصريح بفور باطلا من أساسه، ولا قيمة له في نظر العرب والمسلمين.
ثانيا:
ضرورة منع هجرة اليهود لفلسطين من الآن منعا باتا.
ثالثا:
رفض تقسيم فلسطين على أي نحو كان، والتمسك ببقائها بأكملها.
رابعا:
ضرورة إنشاء حكومة وطنية دستورية بمجلس نيابي منتخب بالتمثيل النسبي، من العرب واليهود، وعقد معاهدة تحالف ومودة بين إنجلترا وفلسطين ينتهي بها الانتداب.
خامسا:
العفو العام الشامل عن المتهمين، والمحكوم عليهم في حوادث الثورة الفلسطينية، وإطلاق سراح المعتقلين والمسجونين، وإعادة جميع المبعدين والمنفيين السياسيين.
سادسا:
إن تنفيذ الطلبات السابقة هو الحل الوحيد لقضية فلسطين، وبالتالي لإعادة الهدوء والسلام بها، ولإيجاد الصداقة والثقة بين إنجلترا وبين العرب والمسلمين، وإلا فالشعوب العربية والإسلامية في جميع أقطارهم، يعتبرون موقف الإنجليز واليهود منهم موقفا عدائيا، جديرا بأن يقابل بمثله، وأن يقرن بالنتائج الطبيعية له، حيال الصلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
سابعا:
حث ملوك وحكومات الأمم العربية والإسلامية وشعوبها، على العمل على تنفيذ هذه القرارات بكافة الوسائل الممكنة، وتبليغها إلى هذه الحكومات والحكومة الإنجليزية، وعصبة الأمم.