ومكث سوكولوف وصحبه طول الشهر في باريس، وفي النهاية تغلبوا على اعتراض الحكومة الفرنسية بالتلويح بموقف أمريكا من الحلفاء. وقد كتبت مسز داجديل قائلة: «أبرق مسيو سوكولوف بالنتيجة من باريس يوم 24 أبريل سنة 1917م إلى صهيونيي أمريكا، وقد جاء فيها أن وزارة الخارجية الفرنسية وافقت على أن انتصار الحلفاء في الشرق الأوسط يعني الاعتراف بالصهيونية السياسية.»
أما في إيطاليا فإن مسيو سوكولوف وصل إلى ما كان يبتغيه رغم أنه لم يحصل على تصريح رسمي بذلك. وهكذا تم للصهيونية على الأقل تعديل اتفاق سايكس-بيكون السري فيما يتصل بوضع فلسطين تحت حماية دولية، وهو الأمر الذي جاء في مذكرة سير إدوارد جراي إلى وزير الخارجية الروسية: إنه يلقى معارضة كبيرة من غالبية اليهود في العالم.
مقدمات تصريح بلفور
دخلت الولايات المتحدة الحرب وصدر تصريح «بريطاني» شبه رسمي بأغراض الحرب في الشرق الأوسط متضمنا خمس مواد خاصة بإعادة اليهود إلى فلسطين طبقا لأمانيهم القومية:
أولا:
أساس الاستعمار: الاعتراف بفلسطين كوطن قومي لليهود.
ثانيا:
مركز السكان اليهود في فلسطين على العموم:
للسكان الحاليين ومن سيأتون في المستقبل أن يتمتعوا ويمتلكوا في جميع أنحاء فلسطين الحقوق المدنية والقومية والسياسية الكاملة.
ثالثا:
الهجرة إلى فلسطين: تسمح الحكومة صاحبة السيادة بالحرية التامة في هجرة يهود جميع البلدان إلى فلسطين.
رابعا:
إنشاء شركة احتكارية قانونية: ستمنح الحكومة صاحبة السيادة امتيازا لشركة يهودية باستعمار فلسطين، بحيث يكون لها السلطة اللازمة لتملك وإدارة أية أرض للمنفعة العامة، وهي الأراضي التي رخص بها من قبل أو التي قد يرخص بها في المستقبل، كما يكون لها السلطة والامتياز التي تمنح عادة لمثل هذه الهيئات الاستعمارية.
خامسا:
استقلال الجالية الذاتي: تتمتع الجالية اليهودية في جميع أنحاء فلسطين بالاستقلال الذاتي الكامل في أمور دينها وتعليمها ورفاهيتها.
ولم يمض على هذا التصريح طويل وقت حتى كان لورد بلفور بوصفه وزيرا للخارجية يزور الولايات المتحدة الأمريكية ليعرض موقف الحلفاء على مطامع الرئيس ويلسون وليلتقي بالقاضي رانديس ليبحث وإياه مشروع فلسطين ... وعاد إلى إنجلترا في شهر يونية مرتاح الضمير إلى النتائج السارة التي وصل إليها بين أمريكا وصهيونييها.
ولكن الصهيونية في إنجلترا كانت في خلال ذلك قد تلقت ضربة كانت في أول الأمر مؤلمة، ولكنها استطاعت التغلب عليها في آخر الأمر. ففي العشرين من مايو سنة 1917م ألقى الدكتور وايزمان خطابا في اجتماع ممثل الهيئات اليهودية في بريطانيا شرح فيه المشروع الصهيوني بجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود.
ومرت ثلاثة أيام دون أن يحدث شيء ما، ولكن في اليوم الرابع أرسل مستر ألكسندر - رئيس مجلس ممثلي اليهود البريطانيين - ومستر مونتفيور - رئيس الجمعية البريطانية الإسرائيلية - احتجاجا إلى جريدة التيمس على مشروعات الصهيونية السياسية التي تناقض الصهيونية الدينية، واختتما احتجاجهما قائلين: «إن مقترح الصهيونية السياسية لا يمكن التسامح فيه؛ لأن اليهود يؤلفون - وسيظلون كذلك مدة طويلة في الغالب - أقلية ضمن سكان فلسطين، وقد يؤدي هذا المشروع إلى الوقوع في حمأة أعظم الاشتباكات الدموية مع جيرانهم من الأجناس والأديان الأخرى، وهو ما سيعطل تقدمهم لدرجة كبيرة، كما أن من شأنه أن يولد تأثيرا سيئا جدا في الشرق القريب.»
على أن الحركة الإسرائيلية الدينية التي بدأت ضد الصهيونية السياسية بهذا الاحتجاج لم تلبث أن أخفقت بفضل تدابير الطوارئ السريعة التي اتخذها وايزمان وأعوانه، وانتهت باستقالة الرئيسين اللذين احتجا على المشروع الصهيوني ... وهكذا عادت الطريق ممهدة أمام وايزمان للخطو خطوة بل خطوات أخرى كثيرة إلى الأمام، وخاصة بعد أن احتضنت الحكومة الفرنسية المشروع، وجاء في تصريحها الرسمي عن ذلك أن «دول الحلفاء تساعد - كعمل من أعمال العدل والتعويض - على بعث الجنسية اليهودية في هذه البلاد «فلسطين» التي طرد منها بنو إسرائيل منذ قرون طويلة مضت.»