اضطهاد اليهود في ألمانيا
كان الاضطهاد الأول لليهود في ألمانيا، ولا سيما في بداية القرن الحادي عشر، خاصة حين انتقل قسيس مسيحي يدعى ويكلينوس إلى اليهودية، فقد كان من أثر هذا أن طرد الإمبراطور هنري الثاني اليهود من ماينس وغيرها، وأن أكره الكثيرين منهم على الانتماء إلى المسيحية. وقد دفع اليهود الأموال الكثيرة لوقف حركة الاضطهاد واستعادة دينهم.
واجتمع في شمال فرنسا 200 ألف صليبي اجتازوا بلاد الرين والدانوب ناشرين الرعب والفزع، ومقترفين ذبح اليهود الذين أبوا التخلي عن دينهم. وقيل: إن 11 ألف يهودي قد لقوا حتفهم في مدن الرين جزاء استمساكهم بعقيدتهم. وفي «وورمس» دفنت جثث 800 يهودي، كما أن 1300 ماتوا في «ماينس». وقد انتمى بعض اليهود إلى المسيحية فرارا من الموت، ولما وصل المسيحيون الصليبيون هؤلاء تحت قيادة جودفري دي بويون في طريقهم من أوروبا والمجر إلى بيت المقدس، توجوا اضطهادهم بأن وضعوا اليهود هناك في معبدهم وأحرقوهم أحياء في سنة 1099م. ومما يجدر بالذكر هنا أن الغوغاء هم معظم من اقترف هذه الفظائع والمناكر، وحسبنا أن نذكر أن الإمبراطور الألماني هنري الثاني، الذي كان في إيطاليا، غضب من المعتدين ورخص لليهود الذين أرغموا على تغيير دينهم بالرجوع إليه.
أما في الحرب الصليبية الثانية في سنة 1146م، فإن البابا يوجنيوس قد أصدر أمرا يقضي بأن كل مدين لليهود يعفى من دفع فائدة دينه متى أصبح في عداد المقاتلين الصليبيين، كذلك تعرضت أملاك اليهود للمصادرة في فرنسا وفاقا للأوامر التي أصدرها يومئذ لويس السابع ملك فرنسا.
واستمر اضطهاد اليهود في ألمانيا في أثناء الحرب الصليبية الثانية أيضا، ولولا تدخل الرجل الورع برنار كليرفو، لأبيدوا عن آخرهم، وقد لجأ بعض اليهود إلى قصر كبير أساقفة «هاينس» الذي كان أيضا رئيس وزارة الإمبراطور ومستشاره، وإن كان لم يحل دون فتك الغوغاء بهم في حضوره.
أما في الحرب الصليبية الثالثة التي أوحى بها البابا إنوستنت، فإن ما أعلنه قداسته من عدهم عبيدا دائمين؛ لأنهم قتلوا المسيح، قد شجع السلطات الرسمية في الكنيسة على معاملتهم في ازدراء.
ولما كانت أوروبا في القرن التاسع عشر تتنازعها الأهواء السياسية والاختلافات الدولية، نشأت بين هذه الحركات حركة موجهة ضد اليهود عرفت باسم «مناهضة السامية
Anti-Semitism ». وكانت الحركة في مبدئها تقوم على أساس كره اليهود الذي يرجع إلى القرون الخالية، ولكن زعماء هذه الحركة ألبسوها ثوبا عصريا، وزعموا أنهم يقصدون بها منع الأجناس السامية من التغلب على الأجناس الآرية، ووقف تدفق سيل الساميين من آسيا على أوروبا، ونادوا بأنها حركة غايتها إنقاذ المدنية الأوروبية من غارة الجاهلية الآسيوية!
وفي الحقيقة إن هذه الحركة كانت سياسية، فلن تجد منشأها في النزاع القديم بين أوروبا وآسيا أو في الصراع الطويل بين الكنيسة والهيكل - المسيحية واليهودية - ذلك الصراع الذي طالما سالت من أجله الدماء وأزهقت الأرواح في القرون الوسطى، وإنما كانت نتيجة تحرير اليهود في أواسط القرن التاسع عشر. فقد عاش اليهود آلاف السنين في أوروبا، ومع ذلك فما برح سواد الأوروبيين ينظرون إليهم نظرهم إلى أجانب دخلاء، ولا يقبلون اندماجهم في أوساطهم. ولعل السبب في ذلك أن اليهود حافظوا على قوميتهم، وقضوا السنين الطويلة معتكفين في أحيائهم لا يختلطون بالشعوب الأخرى، ولا يتزوجون من سواهم؛ فاحتفظوا بطابع خاص وصبغة خاصة. وكان حي اليهود «الجيتو» في كل مدينة شبه معزل لليهود أقامه المسيحيون حتى يقوا المسيحية شر «اليهودية»، ولكنه ما لبث أن أصبح مركزا انحصرت فيه الجهود المالية والسياسية والاجتماعية التي قضت على النظام الإقطاعي في أوروبا، فإن اليهودي الذي قضى السنين الطويلة في «الجيتو» مشردا غريبا عن بلاده، احتفظ بالتقاليد السامية وأضاف إليها النشاط الأوروبي. ولما كان محروما وفاقا لشرائع البلاد من دخول الجيش أو امتلاك الأرض أو تأليف الشركات التجارية فقد أصبح يشتغل بالمال ويكتنزه ويدخره. واضطهدته الكنيسة وضايقته الحكومة فأصبح داعية للمبادئ الديموقراطية، وأصبح شديد الحذر والحيطة، وتنبهت حواسه واشتد ذكاؤه وقوي جهاده ودهاؤه، ولما حرر من قيوده ورخص له في أن يغادر «حي اليهود» مستمتعا بحقوق المواطنين الآخرين برز من حيه مخلوقا جديدا فلم يعد ذلك اليهودي الشرقي، وإنما كان أوروبيا عصريا يمتاز عن الأوروبيين بدقة ذكائه وسعة حيلته.