وكان لليهود داخل أحيائهم «فهر»، بضم فسكون، وهو موضع مدراس اليهود يجتمعون فيه للصلاة، قال أبو عبيد: هي كلمة نبطية أو عبرانية وأصلها بهر فعربت بالفاء.
وكان يهود الحبشة يسمون الفلاشة من كلمة فلاس الحبشية، ومعناها غريب، وعددهم بين 100 ألف و150 ألفا سمر البشرة إلى سواد في عزلة في قرى خاصة، وكان عليهم ملك سقط ملكه في سنة 1880م، وهم يدعون النسب إلى داود، ويحترفون الزراعة والنسيج والفخار والحدادة والبناء. وهم ذوو أنفة، لا يتزوجون من غير جنسهم، متدينون، يصومون يومين في الأسبوع وأربعين يوما قبل عيد الفصح، ويحافظون على يوم السبت، والحكم عندهم بثبوت زنا المرأة حكم عليها بأن تمشي عارية على نار مشبوبة.
الفصل الحادي عشر
| تفوق اليهود في التجارة والمال واضطهادهم
ذكرنا قبلا أن اليهود سكنوا فلسطين حول 1100ق.م، وأنهم اتحدوا تحت لواء الملك داود، وهزموا السكان الأصليين في فلسطين، ثم قام بعده الملك سليمان الذي انتهى عهده حول 930ق.م، وأن سليمان قد بنى الهيكل، وأن دولتهم انقسمت بعده قسمين: مملكة إسرائيل، ومملكة يهوذا، وأن الأولى اندمجت في إمبراطورية آشور بين 721 و715ق.م، وأن الثانية دانت بالولاء لإمبراطورية آشور، وأنه في 588ق.م قام بختنصر ملك بابل التي حلت محل الإمبراطورية الآشورية، فضم مملكة يهوذا إلى مملكته ونهب القدس، ودمرها كما دمر الهيكل، ونفى اليهود إلى منطقة بابل في الفرات، ثم إنه في 536ق.م احتل قورش - مؤسس إمبراطورية الفرس - بابل، ورخص لليهود بالعودة إلى فلسطين، فعاد بعضهم دون البعض الآخر ورخص لهم في إعادة بناء الهيكل، ثم خضع اليهود بعد أكثر من قرنين لحكم البطالسة - خلفاء الإسكندر - وفي 63ق.م اكتسح الرومان القدس، وأصبح اليهود تحت حكم الدولة الرومانية إلى 70 ميلادية؛ إذ دمر «طيطوس» «بيت المقدس» محرقا الهيكل على أثر ثورة قام بها اليهود.
وعاد الرومانيون في سنة 135ق.م فدمروا «بيت المقدس» للمرة الأخيرة، وقد أقام الإمبراطور الروماني أدريانوس في مكان الهيكل اليهودي، هيكلا وثنيا باسم إلهة المشتري «جوبيتير» إلى أن قامت المسيحية، فدمر المسيحيون هذا الهيكل الروماني في عهد الإمبراطور قسطنطين ووالدته هيلانة، ولبثت فلسطين تحت الحكم الروماني إلى أن فتحها العرب المسلمون حين فتحوا الشام، فدخل عمر بن الخطاب «القدس» وتسلمها في 637م، من البطريرك الذي اشترط عدم الترخيص لليهود في دخول فلسطين.
تحت حكم العرب المسلمين كما قدمنا استمتع اليهود بالحرية، واتخذوا العربية لغة لهم، واتخذوا الأسماء العربية أسماء لهم، وكذلك عاشوا في كنف الدول الإسلامية من المماليك والترك وسلاطين استانبول، واستقر اليهود في مقدونيا وسالونيك، وفازوا بالمناصب العالية في الدولة العثمانية، وزادت هجرتهم إليها تبعا لما كانوا يلقونه من الاضطهاد في أوروبا الوسطى وروسيا.
ولقد كان من أثر تتلمذ اليهود للفينيقيين الملاحين التجار الجوابين الآفاق، ثم انتشار اليهود في بلاد العالم، واضطهاد المسيحيين لهم، وحرمانهم من الالتحاق بالمناصب الحكومية والاشتغال بالشئون العامة واحتراف الجندية، وتحديد أحياء لهم يعيشون فيها ولا يخرجون منها، واحتقارهم واستذلالهم - أن تخصصوا في شئون التجارة وإقراض المال، وأصبح لهم في هذا الميدان، مران ودربة، وحيل مبتكرة، واستكانة مصطنعة، أعدتهم لجمع الثروة، وشراء ذمم المضطهدين لهم، كذلك ألفت بين القلوب اليهودية فأصبحت قوة يخشى نفوذها، ويستنكر نشاطها. جاء في ص510 من كتاب تاريخ العالم تأليف و. ن. ويشر: أنه كان من أثر ازدهار التجارة على طول الطرق التجارية ابتداء من البندقية، أن طوائف الحرف قد فقدت نفوذها، وأن الرحالة قد أصبحوا نوعا من الفينيقيين المأجورين الذين ليس لديهم أدوات فنهم. ولم يعد لهم أي دخل في إدارة المدن، ومن ثم انحصرت السلطة والثروة في أيدي الثراة من ممثلي المقاطعات أمام مجلس الأمة؛ مما أدى إلى إحلال المجتمع القائم على النقود والمادة محل المجتمع الذي كان يقوم على استغلال الأرض، وأصبح المصرفي أهم من المالك، وكلما ضعف نفوذ الكنيسة نهضت مهنة المصرف؛ ذلك أن رجال الدين في القرون الوسطى كانوا يذهبون إلى أن الربا الفاحش وإقراض النقود بفائدة أمر مناقض للعقيدة المسيحية. ولما كان اليهود غير خاضعين لهذا القيد، فإن الصليبيين والطوائف قد فقدوا مركزهم كتجار، على حين أنه كان من أثر تفرق اليهود وحذقهم اللغات أن أصبحت مهنة إقراض النقود وقفا عليهم، ومن هنا نشأت كراهة اليهود؛ لأن الناس كرهوا أن يكون لليهود هذا الاحتكار، خاصة حين يكون الناس مدينين لهم، وأصبح يسيرا على الحكومات، حين تقع في ضائقة، أن تحرك الشعور الوطني ضد اليهود، الذين أصبح عنصرهم هدفا للاضطهاد الهمجي المستمر. ففي كل مدينة كان اليهود يرغمون على أن يسكنوا حيا خاصا، وأن يرتدوا زيا خاصا كان أحيانا مميزا بخيط أصفر اللون. وكان المسيحيون المتدينون يبصقون عليهم حين يلقونهم في الشوارع، وكان الأمراء المأزومون، يعمدون إلى سجنهم وتعذيبهم إلى أن يكشفوا مخابئ أموالهم. وعلى هذا كانت مهنة إقراض النقود مهنة خطرة، وحسبنا أن نذكر أن الفائدة قد بلغت، في خلال القرون الوسطى 40 في المائة، وأن البغضاء الدينية التي اقترنت بالغيرة المالية، قد لبثت إلى اليوم.