تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن اللغة العبرية أخذت تضمحل على أثر الحوادث السياسية، فنهضت الآرامية، وهي إحدى اللهجات الكنعانية، وأصبحت أغلب بطون فلسطين وسوريا والعراق وطور سينا تتكلم الآرامية، التي أخذت في الانكماش منذ نحو ميلاد المسيح أمام نهضة اللغة العربية، مما كان من أثره اتجاه القبائل الآرامية والعبرية إلى الاندماج في العنصر العربي شيئا فشيئا.

هذا؛ ويؤخذ من مؤلفات المستشرقين أمثال مان جوليوث في كتابه سالف الذكر، ودوزي في كتابه «الإسرائيليون في مكة»، وبيرني في كتابه «إقامة إسرائيل في كنعان»، وجلازر في كتابه عن بلدان شبه جزيرة العرب، وبعض أسفار التوراة أن اليهود سكنوا منذ التاريخ البعيد أطرافا في بلاد العرب، قال صاحب الأغاني في الجزء 11 ص94: «كان ساكنو المدينة في أول الدهر قبل بني إسرائيل، قوما من الأمم الماضية يقال لهم العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي شديد، وكان ملك الحجاز منهم يقال له الأرقم ينزل ما بين تيماء إلى فدك، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم، فبعث موسى إلى العماليق جيشا من بني إسرائيل، وأمرهم أن يقتلوهم جميعا، إذا ظهروا عليهم، ولا يستبقوا منهم أحدا، فقدم الجيش الحجاز ...»

وفي التوراة ما يؤيد وجود العلاقة بين بلاد فلسطين الكنعانية وبين البلاد العربية.

وعند «إسرائيل ولفنسون» - مؤلف «تاريخ اليهود في بلاد العرب» - أن تاريخ الإسرائيليين مع العرب قسمان أو طوران؛ أولهما: يشمل حوادث لبطون إسرائيلية بائدة في بلاد العرب إلى بداية القرن الخامس قبل الميلاد. أما ثانيهما فيتناول أخبار جموع من اليهود كان لها شأن عظيم في تاريخ شبه جزيرة العرب، وهذا الطور ينتهي بإجلاء عمر بن الخطاب لآخر الطوائف اليهودية من الجزيرة العربية.

العبادة

ففي الطور الأول يبدو أن الإسرائيليين كانوا يعبدون الله مع تقديسهم لبعض الأصنام عدا الكهنة والأنبياء وبعض الأشراف والملوك والنقباء المؤمنين برسالة موسى، فقد كان هؤلاء جميعا يعبدون الله وحده مخلصين له الدين، وكان الموحدون لله قليلين ثم كثروا قليلا قليلا.

أما الطور الثاني، فيبدأ من بعد رجوع اليهود من السبي البابلي سنة 638ق.م. والمرجع في الوقوف على أخبارهم إلى يومئذ هو التوراة، فقد ذكرت صحف «أخبار الأيام» عن أول هجرة مشهورة لهم إلى بلاد العرب، بأن بطون شمعون سارت إلى طور سينا مع ماشيتها لتبحث عن مرعى لها إلى أن وصلت إلى أرض قبائل معان فقاتلتها وفازت بطون شمعون، وقد ذكر دوزي في كتابه عن الإسرائيليين في مكة أن هذه الهجرة قد حدثت قبل عصر الملك داود في نحو ألف سنة قبل الميلاد. وعند مارجوليوث في كتابه «علاقة العرب بالإسرائيليين قبل ظهور الإسلام» أنها لم تحصل إلا في عصر الملك حزقيا، الذي حكم بلاد يهوذا من سنة 717-690ق.م. وهناك من يشك في صحة رواية هذه الهجرة وأغراضها.

هذا؛ ويقول الجغرافي سترابو: إن أول الجزيرة العربية كانت يومئذ هكذا: قبائل معان وعاصمتها قربا، وقبائل سبأ وعاصمتها مارن، ودولة ثمبا في باب المندب، ومملكة حضرموت وعاصمتها سيوة.

كانت فلسطين بمثابة الجسر الذي يربط البلاد العربية وسورية بمصر والعراق، وكان تجار اليهود يذهبون إلى سبأ في عهد سليمان وبعده كما جاء في الآية 26 الفصل الأول من سفر الملوك الذي جاء فيه أيضا أن أيلة «العقبة» كانت مستعمرة يهودية.

وقد اشتدت هجرة اليهود إلى الأرجاء العربية منذ القرنين الأول والثاني بعد الميلاد، لضيق فلسطين بكثرة سكانها، ومهاجمة الدولة الرومانية لها حول القرن الأول قبل الميلاد، وإلغاء الدولة اليهودية، وإخضاع فلسطين للحكم الروماني، وثورات اليهود عليه؛ مما كان من أثره خراب فلسطين وتدمير هيكل بيت المقدس وتشتيت اليهود. قال صاحب الأغاني: «إنه لما ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعا بالشام فوطئوهم وقتلوهم ونكحوا نساءهم، وخرج بنو النضير وبنو قريط وبنو نهدل «من القبائل اليهودية» هاربين منهم إلى من بالحجاز من بني إسرائيل، وكانت فلسطين يومئذ غنية بالصناعات والمتاجر وبالقمح والشعير والزيتون والتمر والعنب للاستهلاك والتصدير. على أن اليهود المهاجرين والمقيمين في البلاد العربية قد ضعف شأنهم وحضارتهم. قال العالم شير: «إن اليهودية في بلاد العرب كانت لها صبغة خاصة، كانت يهودية في أساسها ولكنها غير خاضعة لكل ما يعرف بالقانون التلمودي.»

المسألة اليهودية · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٤٤