تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير * يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور . وكانت النتيجة المحتومة للانصراف إلى الإصلاحات الداخلية وارتقاء مستوى المعيشة أن توجه الشعب إلى ضروب الفنون، وشعب الأدب المختلفة، خاصة الشعر. وكانت للشعب أسوة حسنة في ملكه الشاعر الحكيم الذي يقول فيه الإصحاح الثالث من سفر الملوك الأول: إنه في أول عهده بالملك ذهب إلى مدينة «جبعون» وقدم قرابين لله، فتراءى له حلم ليلا أن الله سأله حاجته. فقال سليمان: «إلهي لقد ملكت عبدك مكان داود أبي، وأنا ما زلت فتى صغيرا لا أعلم الخروج والدخول ... فأعط عبدك قلبا فهيما لأحكم على شعبك وأميز بين الخير والشر.» ويحدثنا السفر نفسه أن «الله أعطى سليمان حكمة وفهما كثيرا جدا، ورحبة صدره «قلبه» كالرمل الذي على شاطئ البحر، وفاقت حكمة سليمان جميع أبناء الشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس؛ من إيثان الأزراحي وهيمان وكلكول ودردع بني ماحول، وبلغ صيته جميع الأمم التي حوله، وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت قصائده ألفا وخمسا، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك ...» وفيما يقرب من هذا المعنى يقول القرآن الكريم:

وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين .

الفن اليهودي

في اعتقادنا أن الحديث عن الفن اليهودي يتطلب البحث في أمرين: الأول طبيعة الديانة الموسوية وروحها، والثاني قومية اليهود ومصيرهم السياسي. أما الأمر الأول فإن قوامه بالنسبة إلى ما نحن بصدده ما جاء في الوصية الثانية من الوصايا العشرة، وإلى القارئ نصها في الإصحاح العشرين من سفر الخروج:

لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة مما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن.

وعند الدكتور زكي محمد حسن أن المعروف أن الإنسان في العصور القديمة كان يصنع الصور والتماثيل لهذا الغرض قبل كل شيء؛ ولذا كان كل فن دينيا إلى حد كبير. والحق أن الفن في ذروة مجده يعبر عن شيء إلهي في الإنسان أو بوساطته، وحسبك أن تفكر في معبد كمعبد الأقصر أو البارتينون، وفي لوحات فنية من تصوير رفائيل أوروبنز، وفي قطعة موسيقية من بيتهوفن أو واجنر، وفي مسجد كجامع السلطان حسن، أو كاتدرائية قوطية الطراز ككاتدرائية نوتردام في باريس. نقول: حسبك أن تذكر هذه الآثار لتدرك أن أعظم المنتجات الفنية ما كان تعبيرا عن الشعور الديني؛ ذلك أن الفن لا يتجلى في أعمال طبقة خاصة من الناس، كأعلام الفنانين فحسب. وقد كان الإنسان الأول يصنع الإناء ليستعمله في حاجاته اليومية. ولم يكن يعرف الفن للفن، فيتخذ الإناء تحفة يستمتع بالنظر إليها، ولذا كان لكل منتجاته أغراض تستعمل فيها، ولكنها لم تكن على رغم ذلك أقل روعة من التحف الفنية في العصور التالية، بل كانت تفوقها في معظم الأحيان وضوحا وبساطة وجمالا.

على أننا إذا درسنا شئون الأمم القديمة وأحوال القبائل التي لا تزال على الفطرة أو في أدنى درجات الحضارة، عرفنا أن الفن كان خادما للدين منذ البداية؛ ولذا كانت أهم مظاهره الأولى بناء المعابد والهياكل، وعمل تماثيل الآلهة، وصنع التحف والأواني والأدوات التي تستعمل في العبادة. وحسبنا دليلا على صحة ذلك أننا لا نستطيع أن ندرس الفنون المصرية القديمة أو الصينية أو الإغريقية من غير أن نعرف شيئا عن ديانات الأمم التي ازدهرت فيها هذه الفنون، وبغير أن تكون الطقوس الدينية نبراسا هاديا في فهم معظم التحف والمنتجات الفنية. بل إن الأمم المسيحية نفسها ساد فيها زهاء خمسة عشر قرنا فن ديني قوامه تصوير الأحداث الدينية وتوضيح تاريخ الكنيسة باللوحات الفنية والتماثيل. أما الحياة العادية البعيدة عن الدين فلم يكن لها من الفن نصيب يذكر، إلا منذ عصر النهضة بإيطاليا في القرن الخامس عشر.

المسألة اليهودية · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة اليهوديةص ٣٤