28
لقد كان أول من شرح - في إيضاح - نظرية الفيض أو الانبثاق الإلهي التي تعطي وحدها معنى عميقا لمذهب التثليث، والتي تقدم أخيرا حل المسألة الكبرى التي ظلت الفلسفة الإغريقية زمنا طويلا واقفة حيرى أمامها، ألا وهي «كيف يستطيع الله أن يخلق العالم ولا يخرج من كماله ووحدته وعدم تغيره؟» إنه أخذ نصا واردا في سفر الحكمة، وهو «الحكمة تستطيع كل شيء برغم أنها واحدة، وهي تجدد كل شيء برغم أنها تبقى هي هي هي.»
29
ثم شرحه بقوله: «إن النار تظل كما هي لا ينقص منها شيء بعد إضاءة آلاف من المشاعل.» وكذلك الأمر فيما يتعلق بالحكمة وبالعلم، «فعلم الأستاذ لم ينقص بأي حال مهما كان عدد التلاميذ الذين اغترفوا منه.» إن من عيوب الأشياء المادية أنها تنقسم وتنفد بالانتقال، أما ما ليس ماديا كالحكمة فإنه على العكس يتزايد دون أن ينقسم. وهذه الطريقة من طرق الإنتاج تسمى الفيض.
وبعد مضي نحو قرنين أخذ فلاسفة الإسكندرية الذين عرفوا بالأفلاطونيين المحدثين - وهم أمونيوس ساكاس وأفلوطين وتلاميذه - مذهب التثليث عن قيلون، وبخاصة المبدأ الرئيسي الآتي: إن الله يصل طبيعته إلى الغير دون أن يفقد شيئا منها، فهو يعطي ما له مع استمراره «أي الأول وهو الله» واحدا كاملا غير متغير، وكذلك نشأ الأقنوم الثالث عن الثاني، وهذا الأقنوم الثالث؛ أي الروح الإلهية، هو في الوقت ذاته روح العالم وأقل كمالا من العقل، كما أن العقل أقل كمالا من الله، ومن أجل ذلك يكون الأقنوم الثالث قابلا للتغير بحكم ضرب من الكثرة، فضلا عن أنه ينتج جميع الأرواح الخاصة بالعالم عن طريق الفيض دائما، وأخيرا تكون الأرواح هي التي تنتج أجسامها.
الفصل السابع
| حياة اليهود السياسية والأدبية والاجتماعية
تحدثنا في الفصول السابقة عن نشأة اليهود، وهجرتهم، وعصر أنبيائهم وكهنتهم، ونتحدث هنا عن حكامهم وملوكهم بعد وفاة موسى، ونسارع إلى القول بأنه بعد أن ظهر «موسى» في مصر وقاد بني إسرائيل إلى التيه، كما ورد في قصة موسى المعروفة؛ أي بعد مقامهم في مصر 215 سنة، قام حكام بني إسرائيل مقام الملوك إلى أن قام طالوت فكان أول ملوكهم كما جاء في ص19 من الجزء الأول من تاريخ ابن الوردي. أما الحكام فقد وردوا في سفر «القضاة»، والملوك في سفر «الملوك»، وهما سفران من أسفار التوراة الأربعة والعشرين.
ومن هؤلاء: يوشع، وفينحاس، وعثننثال، ولمغلون، وأهوذ، وشمكار، وباراق، ولذعون، وإيمالخ، وبؤاثير، ويفتح، وأبصن، وأيلون، وعبدون عفلون، وشمشون، وغالي، وشمويل، وشاول، وإيش يوشف، وداود الذي ملك أربعين سنة، وتوفي في السبعين إلى أواخر سنة 535 لوفاة موسى، و«سليمان»، وكان عمره 12 سنة. وقد عمر بيت المقدس وجعل ارتفاعه 30 ذراعا وطوله ستين في عرض عشرين ذراعا، وجعل له سوارا امتداده 500 في 500 ذراع، وشيد دار الملك. وفي الخامس والعشرين من ملكه جاءته ملكة اليمن «بلقيس» وأطاعه الملوك. وبعد سليمان تولى ابنه «رحبعم» ثم «بريعم» عبد سليمان، واستقر لولد داود الملك على السبطين فقط وعلى بيت المقدس، وصار للأسباط العشرة ملوك تعرف بملوك الأسباط. وقد استمر رحبعم ملكا للسبطين إلى أن غزا ملكه «شيشان» فرعون مصر، ونهب المال المخلف من سليمان. وبعد رحبعم تولى ابنه أفيسا، ثم إيشا، ويهوشا قاظ، ويهورام، واحزياهو، ويواش، وأمصياهو، وعزياهو، وآخر، وأشعيا، وحزقيا، ومنشا، وآمون، ويوشيا، ويهوياخين، ويهوياقيم، وبخت نصر «في سنة 979 لوفاة موسى». وقد فتح بخت نصر نينوى المواجهة للموصل، وسار إلى الشام وأبقى «يهوياقيم» بعد غزو الإسرائيليين، ولما عصاه قام بعد يهوياقيم ابنه «يخنيو» مائة يوم، ثم أخذه بخت نصر إلى بابل وأخذ إليها علماء الإسرائيليين، وقام الملك صدقيا، ولما عصى بخت نصر، أحرق هذا بيت المقدس وهدم بيت سليمان وأباد الإسرائيليين. وكانت مدة صدقيا 11 سنة، وهو آخر ملوك الإسرائيليين، واستمر بيت المقدس خرابا سبعين سنة، ثم عمر على يد ملك الفرس دارا، وغزا بخت نصر مصر لرد اليهود الذين هربوا إليها وقتل فرعون وخرب مصر.